بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

بوليتيكو: تسمية المغرب الطريق السريع في الصحراء الغربية باسم ترامب تؤشر إلى دوره في تشكيل المستقبل هناك

بوليتيكو: تسمية المغرب الطريق السريع في الصحراء الغربية باسم ترامب تؤشر إلى دوره في تشكيل المستقبل هناك

لندن- “القدس العربي”: نشرت مجلة “بوليتيكو” تقريرا أعده ممفيس باركر، قال فيه إن مستقبل الصحراء الغربية يمر عبر الطريق السريع الذي يحمل اسم دونالد جي ترامب، فالطريق الذي يبلغ طوله 655 ميلا يلعب، على ما يبدو، دورا غير عادي في خطة الرئيس للشرق الأوسط.

ويعتبر الطريق السريع، الذي كان يسمى بالطريق الوطنية 1، أطول طريق في المغرب، وأعيدت تسميته باسم ترامب كبادرة شخصية من الملك محمد السادس، وتعبيرا عن احترام كبير للرئيس ترامب.

وفي رحلة للصحافي على الطريق، الذي لا يزال يحمل اسمه الأول، أو طريق تزنيت-الداخلة، حيث بدأت المرحلة الأولى من جهة كلميم وادي النون، لم يلاحظ الصحافي اسم ترامب ولا علما أمريكيا على الطريق. وقال صاحب مقهى على الطريق، الذي تتوقف عليه الشاحنات: “نعم، قرأت عنه في الأخبار”. وقال شخص آخر اسمه إبراهيم، متذمرا: “هذه سياسة”.

من بين جميع الفنادق وأماكن الترفيه والعملات الرقمية التي تحمل اسم دونالد جي ترامب، لا يضاهي أي منها هذا الطريق من حيث أهميته الجيوسياسية

وأضافت المجلة أنه من بين جميع الفنادق وأماكن الترفيه والعملات الرقمية التي تحمل اسم دونالد جي ترامب، لا يضاهي أي منها هذا الطريق من حيث أهميته الجيوسياسية. وإذا ما سلكنا هذا الطريق، فسنجد تفسيرا معقولا لسبب اندفاع عشرات الآلاف من المغاربة، في نهاية تموز/يوليو، إلى المحيط مرتدين بدلات الغوص أو على متن قوارب صغيرة لاقتحام سبتة الإسبانية، دون أن تعترض طريقهم، في معظم الأحيان، شرطة الحدود المغربية.

ففي عام 2015، أعلن الملك محمد السادس عن خطته لبناء طريق سريع أطول من أي طريق آخر في البلاد آنذاك. وقال إن هذا الطريق سيعزز مكانة الصحراء كمركز اقتصادي، ويربط المغرب بجذوره الأفريقية. لكنه سيخدم أيضا هدفا أسمى. ففي إطار “خطة تنمية المناطق الجنوبية”، كما يطلق النظام الرسمي على “الصحراء الغربية”، وضع الملك خطة لتعزيز حكم المغرب على الصحراء الغربية. ووعد الملك أيضا ببناء موانئ وإطلاق برامج رعاية اجتماعية ودمج “الصحراويين” في نسيج الحياة المغربية.

وأضافت المجلة أن وراء اللغة التي ترضي الأمم المتحدة حلما أعمق. فمنذ أن تخلت فرنسا وإسبانيا عن محمياتهما المغربية في خمسينيات القرن الماضي، وضعت السلالة العلوية الحاكمة، التي يعد الملك محمد السادس ملكها الثالث والعشرين، نصب عينيها هدفا واحدا فوق كل شيء، هو استعادة الصحراء الغربية.

وتزخر المنطقة بالموارد الطبيعية، من الفوسفات إلى الأسماك. إلا أن الحملة تنبع في جوهرها من شعور بأن المستعمرين الأوروبيين المنسحبين رسموا حدود المغرب بشكل تعسفي، وضيق جدا بالنسبة لبلد امتد حكمه ذات يوم جنوبا (عبر مالي وموريتانيا والسنغال) وشرقا (عبر أجزاء من الجزائر الحالية).

وقال الملك محمد السادس في خطابه عام 2015، بمناسبة الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء، حين عبر 350,000 شخص إلى الصحراء الغربية وأجبروا إسبانيا، التي سيطرت على الصحراء لفترة طويلة، على الإسراع في انسحابها من هناك أيضا: “لقد قررت تسخير كل الوسائل المتاحة لاستكمال وحدة أراضي المملكة”. ومن خلال هذا الإنفاق الهائل، الذي يبلغ حوالي 8 مليارات دولار إجمالا، يأمل في التغلب على العقبة الرئيسية التي لا تزال تقف في طريق توسع المغرب: عدم رغبة الشعب الصحراوي الانضمام إلى المغرب.

فالمنطقة شهدت حربا متقطعة يشنها المغرب ضد جبهة البوليساريو، المطالبة باستقلال المنطقة. وتجري المواجهات العسكرية عادة بعيدا عن الأنظار وخلف ساتر رملي يبلغ ارتفاعه 3 أمتار، يمتد على طول الصحراء، شيد في ثمانينيات القرن الماضي، ولا يزال يحرسه 100,000 جندي مغربي، ويعد من أكثر حقول الألغام كثافة في العالم.

وفي رسالته إلى ترامب لتأكيد الاسم الجديد للطريق السريع، أعرب الملك محمد السادس عن امتنانه العميق. وكتب أن قرار الرئيس في عام 2020 بالاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية “سيبقى محفورا في ذاكرة المغاربة إلى الأبد”. وفي المقابل، قام الملك بتطبيع العلاقات مع إسرائيل بموجب اتفاقيات إبراهيم، وهي خطوة مثيرة للجدل في بلد يدعم سكانه القضية الفلسطينية بقوة. ومع ذلك، فقد أثبتت هذه الخطوة نجاحها أضعافا مضاعفة.

ظلت مسألة السيادة النهائية على الصحراء الغربية عالقة تحت إشراف الأمم المتحدة، التي حاولت، ولكنها فشلت في نهاية المطاف، تأمين شروط الاستفتاء بعد التوسط في وقف إطلاق النار عام 1991

وقبل تدخل ترامب، ظلت مسألة السيادة النهائية على الصحراء الغربية عالقة تحت إشراف الأمم المتحدة، التي حاولت، ولكنها فشلت في نهاية المطاف، تأمين شروط الاستفتاء بعد التوسط في وقف إطلاق النار عام 1991. وبعد توقيع ترامب، بدأت الأمور تتجه لصالح المغرب. وتدعم فرنسا وإسبانيا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي الآن خطة الملك لمنح “حكم ذاتي” للصحراء الغربية تحت حكمه. وقد أعطت معظم الدول الأفريقية والعربية موافقتها بالفعل.

وبتسمية الطريق باسم ترامب، ذكر الملك فعليا المعارضين المتبقين، وخصوصا جبهة البوليساريو وحلفاءها في الجزائر، بالدعم الذي قدمه البيت الأبيض لمطالبة المغرب بالسيادة. وكتب الرئيس على موقع “تروث سوشيال”: “آمل أن أسافر على طول هذا الطريق العظيم يوما ما، وآمل أن يكون ذلك قريبا”، مضيفا تحفظات كافية لضمان عدم أخذ كلامه على محمل الجد.

وأضافت المجلة أن المغرب لم يكن يسمح للصحافيين الأجانب غير المصحوبين بمرافقين بدخول الصحراء الغربية لسنوات. وفي أيار/مايو 2025، أُلقي القبض على مراسلين إيطاليين متنكرين في زي سائحين عند مدخل العيون، العاصمة الإدارية وأغنى مدن المغرب، ثم اقتيدا شمالا ورُحّلا. وواجه مراسل إسباني مصيرا مشابها قبل أسابيع.

لكن السلطات في العاصمة المغربية الرباط بدأت مؤخرا بدعوة سياسيين غربيين في جولات سياحية بالمدينة، وتعلن شركة “رايان إير” الآن عن “مغامرات مغربية” في الداخلة، شبه الجزيرة الواقعة في أقصى جنوب طريق ترامب السريع، والتي تسوق نفسها لهواة ركوب الأمواج الشراعية. ولدهشة الصحراويين، صور كريستوفر نولان أجزاء من فيلمه “الأوديسة” على شواطئها.

ولعقود، استقطبت الحكومة الاتحادية في الرباط المغاربة إلى الجنوب بضرائب أقل ورواتب أعلى ودعم للغذاء والوقود ووعد عام بمستوى معيشة أفضل. ويعتقد الآن أن غالبية سكان الإقليم، البالغ عددهم نحو 600,000 نسمة، ينحدرون من الشمال، وهو ما يكفي، في حال توسيع نطاق حق الاقتراع في أي استفتاء ليشمل الوافدين بعد عام 1974، كما ترغب الرباط، لترجيح كفة التصويت لصالحها.

ولاحظ الصحافي جوا من الكآبة يسيطر على العيون، مع أن الحكومة تؤكد أن كل هذه الاستثمارات تؤتي ثمارها، مع أن “الأراضي الجنوبية” لا تشكل إلا نسبة ضئيلة من إجمالي الاقتصاد، وتقدر بنحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي. إلا أن هذه النسبة في ازدياد، فقد حققت منطقة العيون أسرع نمو اقتصادي في البلاد عام 2024، بنسبة 7.4%، وفقا للأرقام الرسمية. كما أنها تتمتع بأدنى معدل فقر في المغرب.

يبلغ نصيب الفرد في العيون من الناتج المحلي الإجمالي 74,000 درهم (7,900 دولار أمريكي)، أي أكثر من ضعفين ونصف ضعف نصيب الفرد في المنطقة التي تضم مراكش، والتي تستقطب أعدادا هائلة من السياح سنويا

ويبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 74,000 درهم (7,900 دولار أمريكي)، أي أكثر من ضعفين ونصف ضعف نصيب الفرد في المنطقة التي تضم مراكش، والتي تستقطب أعدادا هائلة من السياح سنويا. ويشير النقاد إلى أن أكثر من ثلث هذا المبلغ يخصص لقوات الأمن. وعلى الرغم من أن الصحراويين الذين تخلوا عن السياسة يقال على نطاق واسع إنهم لا يواجهون أي تمييز في سوق العمل، إلا أن الكثيرين منهم ما زالوا يعانون من أجل الحصول على وظيفة.

وقد ارتفعت نسبة البطالة في المنطقة إلى 22% بحلول عام 2024، وهي نسبة أعلى بكثير من النسبة الوطنية البالغة 13%. ونقل عن رجل صحراوي قوله: “إنها مهزلة، يبنون هذه الأشياء، لكن لا يصلنا شيء من المال لا الفوسفات، ولا الأسماك، ولا الطماطم”. ويتساءل المغاربة من الشمال، في قرارة أنفسهم، عما إذا كان كل الإنفاق على المناطق الجنوبية قد ساهم في اليأس الذي ساد في أماكن أخرى من البلاد، والذي دفع الكثير من الشباب إلى السباحة عبر حدود سبتة.

ومن الناحية العملية، تتلاشى الحركة المطالبة باستقلال الصحراء. ففي عام 2010، سحقت الرباط آخر تحد كبير لسلطتها، وهو مخيم احتجاجي ضخم ضم 20,000 شخص على مشارف العيون. ويقبع قادته الطلاب في السجون. ولم يتبق من حركة الاحتجاج الشعبي داخل المدينة سوى كتابات جدارية طُمست على عجل – “أطلقوا سراح السجناء” – وتجمعات قصيرة تقودها النساء، مثل الهتافات التي أعقبت خروج المغرب من كأس العالم في تموز/يوليو.

وعسكريا، تتلاشى جبهة البوليساريو أيضا، فهي لا تملك وسيلة لمواجهة طائرات المغرب المسيرة، التي تقضي بسهولة على المسلحين الذين كانوا يتحركون في الكثبان الرملية بسيارات لاند كروزر، حاملين قاذفات صواريخ جاهزة. ويبدو أن الجزائر، مصدر هذه الأسلحة، قد سئمت الصراع، ويمكن إقناعها بقبول شكل من أشكال خطة الملك محمد للحكم الذاتي.

ثم يأتي دور دونالد ترامب. ففي 28 تموز/يوليو، أصبح السفير الأمريكي لدى المغرب، ريتشارد ديوك بوكان، من أوائل المسؤولين الأمريكيين البارزين الذين وطئت أقدامهم أرض العيون. كتب بوكان على منصة إكس، مرفقا صورة له أمام بوابات مطعم ماكدونالدز الكبير والنظيف في المدينة: “من الطواجن الصحراوية إلى شطائر البرغر الأمريكية المزدوجة، العيون فيها كل شيء”. وختم رسالته بعبارة: “الصحراء المغربية، أنا أعشقها”، مستخدما شعار سلسلة مطاعم الوجبات السريعة للإشارة إلى موافقة واشنطن على ضم الصحراء الغربية رسميا.

ومع مرور الوقت، تأمل الرباط في الحصول على أكثر من ذلك بكثير، ربما قنصلية كاملة في العيون، ولكن الأهم من ذلك، استمرار المشاركة الدبلوماسية لإنهاء الصراع النهائي حول الوضع المتنازع عليه في الصحراء الغربية.

ويقول ريكاردو فابياني، مدير قسم شمال أفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية، إن مشروع الضم يستحوذ على “80 أو 90% من اهتمام جميع الوزارات الحكومية”، وسيحدد الضغط الأمريكي الخطوات اللاحقة. فواشنطن هي حاملة القلم لموضوع الصحراء في الأمم المتحدة، وعندما يحين موعد تجديد ولاية البعثة في 31 تشرين الأول/أكتوبر، قد تنهي جهود حفظ السلام التي استمرت 35 عاما بشكل كامل.

ويقود مسعد بولس، مبعوث ترامب، مفاوضات مباشرة نادرة بين الجزائر والمغرب وجبهة البوليساريو. وقد يضغط بقوة أكبر على معارضي الرباط لقبول خطة الملك للحكم الذاتي، وربما يهدد بتصنيف الجبهة ككيان إرهابي، وبالتالي استبعادها من عملية التفاوض تماما. بل قد يعيد المغرب إلى الدعوة للتصويت على تسوية وضع الصحراء الغربية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو أمر ضمنت سنوات من الجهود الدبلوماسية فوز المغرب به على الأرجح. وفي الشهر الماضي فقط، أعلنت كولومبيا تأييدها الكامل للسيادة المغربية على الصحراء الغربية.

ويرى فابياني أنه ينبغي النظر إلى تدفق المهاجرين إلى سبتة في ضوء هذه العلاقة. ففي عام 2021، سرعت الرباط بدفع ثمانية آلاف مهاجر عبر الحدود إلى سبتة احتجاجا على تقديم إسبانيا الرعاية الطبية لإبراهيم غالي، زعيم جبهة البوليساريو البالغ من العمر 76 عاما. ويبدو أن التدفق الأخير، الأكبر بكثير، قد نشأ بشكل عفوي. ومع ذلك، فإن قرار المغرب عدم الوقوف في طريق المهاجرين يوحي برغبة في “إرضاء” البيت الأبيض، الذي ينظر إلى رئيس الوزراء الاشتراكي الإسباني بيدرو سانشيز على أنه تجسيد لكل ما هو خاطئ في أوروبا: معاداة إسرائيل وتأييد الهجرة وعدم الإنفاق على الدفاع.