دمشق ـ «القدس العربي»: مع كشف محافظ السويداء في سوريا، مصطفى البكور، عن «خطوات جادة وإن كانت تسير ببطء» تهدف إلى إنهاء الوضع غير الطبيعي للمحافظة الجنوبية الخارج عن سيطرة السلطات، استقبل وزير الخارجية أسعد الشيباني في العاصمة دمشق نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، بعد أن كان قد أجرى محادثات منفصلة في أنقرة، مع كل من نظيره التركي هاكان فيدان، وسفير واشنطن في تركيا والمبعوث الرئاسي الأمريكي إلى كل من سوريا والعراق توم براك.
المحادثات الرسمية
وبحث الشيباني مع الصفدي، الأربعاء، حسب «الخارجية السورية على «تليغرام»، «العلاقات الثنائية بين البلدين وتعزيز التعاون في كافة المجالات، إلى جانب التحضيرات للدورة الثالثة لمجلس التنسيق الأعلى المقرر عقدها في دمشق خلال شهر تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، كما جرت مناقشة تطورات الأوضاع جنوبي سوريا ومسار تنفيذ خريطة الطريق الثلاثية، بين الجمهورية العربية السورية والمملكة الأردنية الهاشمية والولايات المتحدة الأمريكية بما يخص محافظة السويداء».
وعاد ملف السويداء بقوة إلى الواجهة، بعد تصريحات كان أطلقها، في 25 آب/ أغسطس الماضي شيخ العقل في طائفة الموحدين الدروز في السويداء حكمت الهجري، وتحدث خلالها عن «شراكة في العقيدة» وأن الدروز «جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل»، معبراً عن تمنياته بأن يجد ملف السويداء الحل عبر انضمام المحافظة إلى «دولة إسرائيل»، كما سماها.
ودفعت تصريحات الهجري إلى صدور مواقف رافضة لها من مشايخ وشخصيات درزية في سوريا ولبنان والأراضي المحتلة.
وعمدت «قوات الحرس الوطني» التابعة للهجري، الخميس الماضي، إلى مهاجمة منزل الزعيم عاطف هنيدي في بلدة المجدل في ريف السويداء الغربي، واعتقاله وإبعاده إلى دمشق، إثر بيان له انتقد فيه الهجري، الأمر الذي دفع المبعوث الرئاسي الأمريكي إلى سوريا للتشديد على الالتزام بالخريطة الثلاثية، معتبرا أن غياب الحوكمة أدى لظهور «العصابات»، ومحذرا من أن عدم اللجوء إلى الحوار سيؤدي إلى مزيد من الحداد.
ووسط تلك التداعيات، بحث الشيباني مع فيدان، الثلاثاء، سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، ومناقشة آخر مستجدات مجلس التنسيق الأعلى بين سوريا وتركيا، كما استعرضا آخر التطورات في المنطقة، وفق ما ذكرته وزارة الخارجية السورية.
وفي ساعة متأخرة من ليلة الثلاثاء، التقى الشيباني مع برّاك، وبحثا سبل تعزيز العلاقات الثنائية، بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين، وفق بيان الخارجية السورية، من دون ذكر تفاصيل عن طبيعة المحادثات والملفات التي ركزت عليها.
نائب رئيس لجنة الشؤون الدبلوماسية البرلمانية لـ«القدس العربي»: مشروع الهجري مستحيل التطبيق
وعلق براك، عبر صفحته على منصة «إكس»، على اللقاء وقال إنه «في الساعات التي تهدأ فيها العواصم، يستمر العمل الحقيقي لفن السياسة الخارجية، إنه (الشيباني) لا يعرف الكلل ويتمتع برؤية واضحة، وجدي في سعيه لخفض درجة الحرارة في منطقة لا تتسع فيها هوة الخطأ في الحسابات». وتابع: إن «الدبلوماسية ليست مسرحية إنما هي التوفيق الصابر بين المصالح قبل أن تلتف الأحداث ضدنا»، مؤكدا أن «ضبط النفس والحوار هما شكلان من أشكال القوة أيضا». ورد الشيباني على تغريدة براك وشكره «على الجهود الصادقة في دعم سوريا في هذه اللحظة الحرجة، وعلى الإيمان بأهمية الحوار والدبلوماسية في بناء مستقبل أكثر استقرارا للمنطقة»، وقال الشيباني: «بعد سنوات عديدة من المعاناة، يستحق الشعب السوري كل جهد وكل فرصة للسلام والاستقرار والازدهار».
وفي وقت متأخر من ليل الثلاثاء، نقلت صفحة مديرية إعلام السويداء على فيسبوك، عن المحافظ بكور قوله إن «أهل السويداء لهم تاريخ وطني عريق، ومهما طالت الأزمة ستعود الأمور إلى مجاريها بإذن الله». وتابع: «نبشّر كل من يسأل عن السويداء بأن هناك خطوات جادة نحو الحل، وإن كانت تسير ببطء، فالأمل موجود والقادم أفضل».
حلول سلمية
ورحب نائب رئيس لجنة الشؤون الدبلوماسية والقنصلية في مجلس الشعب السوري نوار نجمة، بالجهود السياسية التي تبذلها كل من أنقرة والمبعوث الرئاسي الأمريكي.
وقال في تصريح لـ«القدس العربي» إن الدور التركي يبرز كداعم لوحدة الأراضي السورية، ولوجود حكومة قادرة على بسط سيطرتها على كامل أراضي الجمهورية العربية السورية، وهذا الدور، إلى جانب جهود المبعوث الخاص الأمريكي، يندرج في إطار السعي إلى حلول سلمية لملف السويداء، تماماً كما حصل في ملف شمال شرق سوريا، مع إعادة دمج «قوات سوريا الديمقراطية – قسد» و»الإدارة الذاتية» بمؤسسات الدولة السورية.
وذكر أن التحقيقات التي أجرتها سوريا، على خلفية أحداث تموز/ يوليو الماضي في السويداء، اتسمت بالموضوعية والعدالة إلى حدٍّ كبير، وهو ما تطابق مع التحقيقات الدولية، الأمر الذي انعكس بظهور مواقف أمريكية إيجابية.
واستبعد الخيارات التي تحدث عنها الهجري، وما زالت تروج لها الأوساط القريبة منه، أو بعض الزعامات الدرزية في الأراضي المحتلة، وقال إن ملف استقلال السويداء يعدّ، في أساسه، مشروعاً مستحيل التطبيق، لأسباب تاريخية وجغرافية وديموغرافية وسياسية متشابكة، معتبرا أن هذا المشروع استمد قوته الأساسية من دعم إسرائيلي لفصائل معينة في المنطقة، لكنه لم يكن أبدا معبّرا عن مصلحة أهالي السويداء، بل كان موجَّها لخدمة أجندات إسرائيلية خاصة في الجنوب السوري.
وتابع نجمة: مع مرور الأيام، تتكشف استحالة هذا المشروع تدريجيا، وتبرز نقاط ضعفه، لا سيما مع تنامي الأصوات المعارضة له داخل السويداء وخارجها، والتي باتت تُبدي امتعاضها وانتقادها العلني». واستبعد إمكان تدخل عسكري إسرائيلي لصالح الجماعات التابعة للهجري، وقال: لا أظن أن وضع إسرائيل الراهن في المنطقة، خاصة في ظل صراعها مع إيران، يسمح لها بخوض مغامرات عسكرية إضافية في الجنوب السوري، لكننا، في الوقت نفسه، لا يمكننا الرهان دوما على حكمة القرار الإسرائيلي، خصوصا مع وجود حكومة تميل إلى العدوانية، وتلجأ غالبا إلى قرارات وإجراءات غير موضوعية، ولا تتناسب مع الأهداف الدولية الغربية الرامية إلى تحقيق الاستقرار.
وعلق على التحذيرات الإِسرائيلية من تنامي النفوذ التركي في سوريا، وقال إن التناقض يبقى جوهرياً بين المشروع الإسرائيلي والأهداف التركية في سوريا؛ إذ تركّز السياسة التركية على مساعدة الدولة السورية في بناء قدراتها، وتؤكد على وحدة أراضيها واستقرار حكومتها، بينما يسعى المشروع الإسرائيلي دوما إلى تفكيك سوريا وإضعافها.
وأردف: إن كانت إسرائيل قادرة على خلق بعض الإرباك للموقف التركي، فإن تركيا ليست لديها أطماع في سوريا، بقدر ما ترغب في جوار جنوبي مستقر يُسهم في استقرار الشرق الأوسط، وسلاسل الإمداد، وطرق النقل والاتصال، موضحا أنه ومع ذلك، يظل الموقف الإسرائيلي صعب التنبؤ به، ولكنه اليوم لم يعد بالمرونة الكافية للتحرك بسهولة، في ظل الانتقادات الدولية المتصاعدة لسياستها في المنطقة، خاصة ما يتعلق بغزة والمستوطنات.
وانتهى نجمة للقول إن إسرائيل، التي تبدو منزعجة من إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، ومن ملف العقوبات، ومن التقارب الغربي مع دمشق، قد تدفعها هذه العوامل إلى ردود فعل عدوانية، لكن الأرجح أن ثمة حاجة الآن إلى صوت إسرائيلي أكثر حكمة داخل الكيان، ينبّه إلى مغامرات لن تجني منها إسرائيل خيراً على المدى البعيد.
أوضاع صعبة
وفي مقابل الجهد الدبلوماسي المكثف، تعيش السويداء أوضاعا صعبة، مع استمرار تداول انباء عن منع دخول بعض المواد الغذائية والخاصة بالبناء والمحروقات، تعلن الصفحات الموالية للهجري أن حواجز للأمن العام السوري هي من تنفذها، وفي المقابل تعلن الصفحات الرسمية أن مجموعات خارجية عن القانون (الحرس الوطني) هي التي تمنع دخول سيارات شحن تجارية خاصة تحمل خضراوات ومواد غذائية إلى المدينة لرفع الأسعار وابتزاز المدنيين.
