بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

احتلال على مهل”… إسرائيل تراهن على الوقت وحزب الله يتحضّر لأسوأ الاحتمالات /بقلم : محمد علوش

احتلال على مهل”… إسرائيل تراهن على الوقت وحزب الله يتحضّر لأسوأ الاحتمالات /بقلم : محمد علوش

تكشف المعطيات المرتبطة بجولة الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد واتصالاته في بيروت وتل أبيب أن مسار الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب لا يزال بعيداً، إذ إن إسرائيل لم تحسم بعد ما إذا كانت تريد التعامل مع وجودها في الحافة الأمامية كورقة تفاوضية مؤقتة، أم كواقع أمني طويل الأمد، وهو ما تعكسه طبيعة التحضيرات والتجهيزات القائمة على الأرض.


وحتى الآن، لم يتحقق، بحسب الأميركيين، الاختراق الذي يسمح بالانتقال الفعلي إلى منطقة تجريبية ثانية، فيما يواصل الجيش اللبناني محاولة تثبيت انتشاره ضمن الإمكانات المتاحة، في بيئة ميدانية معقدة تفرضها طبيعة الانتشار الإسرائيلي واستمرار الاعتداءات اليومية.


المشكلة أن إسرائيل تتعامل مع عامل الوقت باعتباره جزءاً من المعركة السياسية قبل العسكرية. فكل يوم يمر من دون انسحاب جديد يمنح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو زخماً داخلياً، ويسمح لإسرائيل بتثبيت وقائع إضافية على الأرض، سواء عبر تعزيز المواقع العسكرية، أو عمليات التجريف، أو تدمير أجزاء من القرى والطرق، أو تحويل بعض النقاط إلى مواقع ذات قيمة استخبارية وعسكرية.


ومن هنا، يحمل السلوك الإسرائيلي في الحافة الأمامية مؤشرات إلى محاولة إنتاج منطقة أمنية متقدمة تستطيع إسرائيل التحكم بها حتى بعد أي انسحاب جزئي من محيط الخط الأصفر. وهذا ما يجعل أي تفاوض لاحق أكثر تعقيداً، لأن إسرائيل لا تبدو راغبة في الانسحاب بقدر ما تريد التفاوض انطلاقاً من وقائع صنعتها ميدانياً، وتسعى إلى تكريسها لوقت طويل بشرعية لبنانية.


وبحسب مصادر مطلعة على الاتصالات، فإن ما حمله كليرفيلد في جولته الأخيرة لم يكن كافياً للحصول على موافقة إسرائيلية واضحة للانتقال إلى المرحلة الثانية، رغم استمرار المساعي الأميركية لدفع الاتفاق إلى الأمام.


وتقول المصادر عبر “ليبانون ديبايت” إن الخلاف لا يتعلق بتحديد المنطقة التي يمكن أن ينتشر فيها الجيش اللبناني، بل بالمعايير التي تريد إسرائيل اعتمادها للتأكد من طبيعة هذا الانتشار، وما تعتبره منطقة خالية من البنية العسكرية لحزب الله.


وهذه النقطة تحديداً تتيح لإسرائيل إبقاء الانتقال من مرحلة إلى أخرى مرتبطاً بتقييمها الخاص، ما يجعل الانسحاب عملية مفتوحة زمنياً، لا مساراً تلقائياً أو بسيطاً.


في المقابل، يبدو الجيش اللبناني أمام مهمة دقيقة تقوم على تثبيت حضوره من دون الدخول في احتكاك مع إسرائيل، ومن دون أن يتحول، في الوقت نفسه، إلى طرف في مواجهة داخلية حول السلاح بما يخدم المصلحة الإسرائيلية.

ولذلك، يحمل الانتشار الحالي بعداً عسكرياً وسياسياً في آن واحد، لأن نجاح الجيش في فرض وجوده يشكل المدخل الذي يفترض أن يسمح بتوسيع التجربة، إلا أن قدرته على التقدم تبقى مرتبطة بالمساحة التي تتيحها إسرائيل وبالتفاهمات السياسية المحيطة بالمهمة.


أما حزب الله، فيبدو أنه يتعامل مع هذه المرحلة بمنطق مختلف. فالحزب، الذي دخل الحرب الأخيرة بعد أشهر طويلة من الاستنزاف في محاولة لمنع تحول الضربات الإسرائيلية إلى واقع دائم، يدرك أن تكرار السيناريو نفسه لن يكون في مصلحته.


فالدخول في مواجهة واسعة اليوم قد يوقف الاستنزاف عسكرياً، لكنه قد يمنح إسرائيل أيضاً الذريعة التي تحتاج إليها لتوسيع عملياتها، وتثبيت وجودها، واستثماره سياسياً في الداخل الإسرائيلي، كما قد يعيد لبنان إلى دورة حرب يصعب تحديد سقفها ونتائجها، في ظل الضبابية التي تحيط بالمشهد الإقليمي.


لذلك، تبدو مصلحة الحزب في المرحلة الحالية قائمة على الجمع بين الصبر والرد: عدم منح إسرائيل مواجهة مفتوحة، وفي الوقت نفسه عدم السماح بتحويل الهدوء إلى استسلام للأمر الواقع.


وتشير مصادر مطلعة عبر “ليبانون ديبايت” إلى أن الحزب ليس في حالة جمود، إلا أن عملياته لا تزال تجري ضمن سقف محدود، باستثناء الحالات التي يرد فيها على أي محاولة تقدم إسرائيلية باتجاه تلة علي الطاهر.


وتتحدث المصادر عما يمكن وصفه بـ”العمليات الصامتة” التي تجري في الجنوب، حيث يتركز العمل على مراقبة التحركات الإسرائيلية، وجمع المعلومات، واختبار قواعد الاشتباك، والحفاظ على القدرة على إزعاج الانتشار الإسرائيلي وإطلاق محلّقات باتجاه آليات، من دون الانتقال إلى قرار الحرب.


وهذه التحركات ليست بالضرورة مقدمة فورية لمواجهة واسعة، بقدر ما تشكل جزءاً من التحضير لأسوأ الاحتمالات، ولا سيما إذا انتقلت إسرائيل من الاحتفاظ بمواقع محددة إلى محاولة توسيع رقعة الاحتلال وفرض واقع جديد في الجنوب.