أصدرت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، اليوم الثلاثاء، حكماً غيابياً بالإعدام بحق الرئيس السوري السابق بشار الأسد، كما قضت بالإعدام بحق رئيس فرع الأمن السياسي السابق في درعا عاطف نجيب، في واحدة من أبرز المحطات القضائية منذ سقوط النظام السابق وبدء مسار محاكمة مسؤولين وقيادات أمنية عن الانتهاكات التي شهدتها سوريا منذ عام 2011. وأفادت تقارير متزامنة بأن الحكم شمل أيضاً ماهر الأسد، الذي حوكم غيابياً ضمن القضية.
وخلال جلسة النطق بالحكم، قال رئيس المحكمة القاضي فخر الدين العريان إن المحكمة جرّمت بشار الأسد بجناية القتل العمد والقصد لأكثر من شخص، بما في ذلك أطفال، إضافة إلى التعذيب والاعتقال التعسفي وجرائم ضد الإنسانية، معتبرة أنه يتحمل، بوصفه رأس السلطة آنذاك، مسؤولية جنائية عن الجرائم التي نُسب تنفيذها إلى أجهزة الدولة.
وقضت المحكمة بإنزال العقوبة الأشد بحق عاطف نجيب، الذي مثل أمامها حضورياً، بعدما أدانته بجرائم القتل العمد والتعذيب وجرائم ضد الإنسانية، فيما كانت النيابة العامة قد طلبت خلال الجلسة السابقة الحكم بالإعدام على نجيب وبشار الأسد وماهر الأسد وآخرين وردت أسماؤهم في ملف الدعوى.
وكانت النيابة قد أسندت إلى المتهمين جرائم القتل والتعذيب والاعتقال التعسفي وإهدار المال العام، فيما طالب فريق الادعاء بتجريمهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، من بينها التعذيب الممنهج والحرمان من الحرية والقتل العمد وقتل أطفال دون سن 15 عاماً والتعذيب المفضي إلى الموت.
وبالتوازي مع الأحكام، أفادت وسائل إعلام عربية بأن المحكمة قررت إصدار مذكرات توقيف بحق المتهمين الفارين واتخاذ إجراءات لملاحقتهم خارج سوريا، في خطوة تفتح الباب أمام انتقال الملف من القضاء المحلي إلى مسارات تعاون قضائي دولي، مع بقاء تنفيذ أي حكم بحق المتهمين الموجودين خارج البلاد مرتبطاً بإمكان توقيفهم أو تسليمهم إلى السلطات السورية.
وتعود القضية أساساً إلى عاطف نجيب، ابن خالة بشار الأسد والرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، الذي ارتبط اسمه بالأحداث التي سبقت اندلاع الاحتجاجات السورية في آذار 2011. وكان نجيب يتولى المسؤولية الأمنية في المحافظة عندما اعتُقل أطفال بسبب كتابات مناهضة للنظام وتعرضوا للتعذيب، وهي الواقعة التي تحولت إلى أحد أبرز الشرارات التي فجرت الاحتجاجات في درعا قبل امتدادها إلى مناطق سورية أخرى.
وانطلقت محاكمة نجيب وبشار الأسد وماهر الأسد وعدد من مسؤولي النظام السابق في 26 نيسان 2026 أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، حيث مثل نجيب حضورياً، فيما بدأت محاكمة بشار وماهر الأسد وغيرهما غيابياً باعتبارهم فارين من وجه العدالة. وشكلت الجلسة حينها أول محاكمة علنية من هذا النوع لمسؤولين كبار من عهد الأسد داخل سوريا بعد سقوط النظام في كانون الأول 2024.
وعقدت المحكمة على مدى الأشهر التالية سلسلة جلسات استمعت خلالها إلى شهود وذوي ضحايا، واطلعت على أدلة ومذكرات مقدمة من الادعاء والدفاع، قبل أن ترفع في 4 آب أوراق القضية للتدقيق والحكم وتحدد 11 آب موعداً للنطق بالقرار.
ويحمل الحكم على بشار الأسد دلالة سياسية وقضائية خاصة، إذ يمثل أول إدانة من هذا المستوى تصدر بحقه من محكمة سورية بعد خروجه من السلطة. وكان الأسد قد غادر سوريا إلى روسيا عقب سقوط حكمه في كانون الأول 2024، ما يجعل الحكم غيابياً، بينما تبقى أي محاولة لتنفيذه مرتبطة بمسار الملاحقة الدولية وإمكان تسليمه مستقبلاً.
أما عاطف نجيب، فقد أوقفته السلطات السورية في كانون الثاني 2025، قبل أن يصبح أول شخصية أمنية بارزة من عهد الأسد تمثل بصورة علنية أمام القضاء السوري في إطار المحاكمات الجديدة.
وتنظر السلطات السورية إلى هذه المحاكمات باعتبارها جزءاً من مسار العدالة الانتقالية ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، فيما تتابع منظمات حقوقية وقانونية المسار عن كثب، وسط نقاش حول الضمانات القضائية والإطار القانوني المستخدم وطبيعة العقوبات، وخصوصاً عقوبة الإعدام.
