بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

هذا ما تجمع عليه القيادات المسيحية

هذا ما تجمع عليه القيادات المسيحية

في السياسة اللبنانية والخارجية، نادراً ما تلتقي القيادات المسيحية على عنوان سياسي واحد. فالخلاف بينها يكاد يشمل كل الملفات، من قراءة تاريخ لبنان، إلى الخيارات الاستراتيجية، مروراً بالتحالفات الداخلية والخارجية. إلا أن ثمة نقطة تقاطع بدأت تبرز في الآونة الأخيرة، وفق ما يؤكد زوار التقوا هذه القيادات، وهي ضرورة الانتقال إلى تطبيق ما تبقى من اتفاق الطائف، وفي مقدمته اللامركزية الإدارية الموسعة.

ويقول هؤلاء الزوار إن النقاش الذي دار مع هذه القيادات أظهر وجود قناعة مشتركة بأن اللامركزية لم تعد مجرد بند إصلاحي مؤجل، بل أصبحت حاجة وطنية وإدارية وإنمائية، تفرضها التجربة اللبنانية خلال العقود الماضية، وما كشفته من عجز الإدارة المركزية عن تلبية حاجات المناطق وتحقيق التنمية المتوازنة.

وبحسب هذه القراءة، فإن اللامركزية لم تعد تُطرح من منظور طائفي أو تقسيمي، كما كان يُروَّج لها في مراحل سابقة، بل باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للدولة الحديثة، بما يسمح للمناطق بإدارة شؤونها الإنمائية والخدماتية ضمن إطار الدولة الواحدة، ويخفف من البيروقراطية والزبائنية السياسية التي كرستها المركزية الإدارية.

غير أن هذا التقاطع الفكري لا يعني، وفق المصادر نفسها، وجود تفاهم سياسي بين القيادات المسيحية، ولا يمهد بالضرورة لتقارب بين "القوات اللبنانية" و"التيار الوطني الحر". فالخلافات الجوهرية لا تزال قائمة، سواء في النظرة إلى المرحلة السابقة، أو في مقاربة الملفات السيادية، أو في التحالفات الداخلية والإقليمية.

وتضيف المصادر أن هذه القيادات تلتقي أيضاً عند نقطة أساسية أخرى، وإن كانت تنطلق من مقاربتين مختلفتين، وهي أن تنفيذ الإصلاحات الدستورية الواردة في اتفاق الطائف، وفي مقدمها اللامركزية، يفترض أولاً قيام دولة قادرة على ممارسة سلطتها كاملة على أراضيها.

ومن هنا، يبرز الشرط الذي تعتبره هذه القيادات، وفق زوارها، مدخلاً لا غنى عنه لأي إصلاح بنيوي، وهو استعادة الدولة لقرارها السيادي، وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية وحدها، بما يتيح تطبيق الدستور بعيداً من ازدواجية السلطة وتعدد مراكز القرار.

وتشير هذه الأوساط إلى أن البحث في اللامركزية، على أهميته، لا يمكن أن يتحول اليوم إلى أولوية سياسية قبل حسم المسألة السيادية. فقيام إدارات محلية فاعلة يحتاج إلى دولة قوية، لا إلى دولة تتنازعها المرجعيات السياسية والأمنية. ولذلك، فإن أي نقاش حول تطوير النظام الإداري يبقى، في نظر كثيرين، مؤجلاً إلى ما بعد استكمال مسار بناء الدولة واستعادة احتكارها لاستخدام القوة وفرض القانون.

وفي هذا السياق، يربط مراقبون بين هذا النقاش وبين المرحلة الجديدة التي يحاول رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إطلاقها، والقائمة على تعزيز مؤسسات الدولة، وتثبيت مرجعيتها في الملفات الأمنية والسياسية. فنجاح هذه المرحلة قد يفتح الباب أمام إعادة إحياء البنود الإصلاحية التي بقيت حبراً على ورق منذ إقرار اتفاق الطائف قبل أكثر من ثلاثة عقود.

وهكذا، تبدو المفارقة لافتة. فالقيادات المسيحية تختلف على معظم العناوين الكبرى، لكنها تلتقي على أن لبنان لا يستطيع الاستمرار بالنظام الإداري الحالي، وأن اللامركزية تمثل أحد مفاتيح تحديث الدولة. لكنها، كما يقول زوارها، تدرك في الوقت نفسه أن الإصلاح الإداري لا يمكن أن يسبق استكمال بناء الدولة، لأن اللامركزية لا تقوم في ظل دولة ضعيفة، بل في ظل دولة قوية، سيدة، تحتكر قرارها وسلاحها، وتطبق الدستور بكل مندرجاته، لا انتقائياً، بل كاملاً.