بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

إيكونوميست: ترامب عالق في مأزق إيران: لا حرب حاسمة ولا سلام مستقر

إيكونوميست: ترامب عالق في مأزق إيران: لا حرب حاسمة ولا سلام مستقر

ترى مجلة «إيكونوميست» أن اتفاق السلام المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران لم ينجح في تثبيت هدنة مستقرة أو فتح مسار تفاوضي واضح. فمضيق هرمز لا يزال مغلقا فعليا، والضربات المتبادلة مستمرة، فيما تحاول دول الخليج التوسط في تسوية مؤقتة تعيد فتح الممر المائي وتمنع اتساع دائرة التصعيد.

وتشير إلى تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تهديده بشن «هجوم واسع النطاق» على إيران، مؤكدا أن المفاوضات تحقق تقدما، لكن طهران رفضت أحدث المقترحات المطروحة وأطلقت دفعة جديدة من الصواريخ. ويعكس هذا التناقض هشاشة التفاهمات القائمة، واستمرار الجانبين في الجمع بين الضغط العسكري والمحاولات الدبلوماسية المحدودة.

يعكس التناقض هشاشة التفاهمات القائمة، واستمرار الجانبين في الجمع بين الضغط العسكري والمحاولات الدبلوماسية المحدودة

وكانت الولايات المتحدة وإيران قد وقعتا اتفاق سلام مؤقتا في 17 يونيو. وبموجب «مذكرة التفاهم»، كان يفترض أن يقترب البلدان من إنجاز اتفاق شامل يضع حدا لخمسة عقود من العداء، لكنهما عادا بدلا من ذلك إلى المساومة بشأن مضيق هرمز.

وتقول «إيكونوميست» إنه حتى إذا تمكن الدبلوماسيون من التوصل إلى حل، وهو احتمال يبدو ضعيفا، فقد لا يتجاوز الأمر تسوية مؤقتة لاتفاق كان هشا منذ البداية.

وبدأت مذكرة التفاهم تتفكك في السادس من يوليو، عندما هاجمت إيران عددا من ناقلات النفط والغاز، في محاولة لوقف حركة الملاحة المتزايدة عبر الجانب الجنوبي من مضيق هرمز، الواقع ضمن المياه الإقليمية العمانية، وهو ما يقلص قدرة طهران على التحكم في الممر المائي.

وبعد ذلك، شنت الولايات المتحدة نحو أسبوعين من الضربات الجوية اليومية، استهدفت في معظمها مواقع عسكرية وبنى تحتية اقتصادية في جنوب إيران. وردت طهران بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة على قواعد أمريكية في الخليج والأردن.

لكن ترامب أوقف حملة القصف بصورة مفاجئة في 24 يوليو. وقال مسؤولون أمريكيون علنا إنهم حريصون على منح الدبلوماسية فرصة، فيما أعرب بعضهم، في أحاديث خاصة، عن القلق من تناقص مخزون صواريخ اعتراض الدفاع الجوي، وعن شكوك في جدوى الضربات الجوية المحدودة.

وأوقفت إيران بدورها هجماتها على السفن التجارية، وإن كان ذلك قد يعكس ببساطة تراجع عدد الأهداف، بعدما انخفض عدد السفن التي تستخدم الممر الجنوبي عبر هرمز إلى ما يقارب الصفر.

وفي عطلة نهاية الأسبوع الماضية، زار وفد من المسؤولين العمانيين طهران لإجراء محادثات. ورغم أن إيران لا تتفاوض مباشرة مع الأمريكيين، تؤدي سلطنة عمان دور الوسيط بين الجانبين.

وقدمت مسقط إلى طهران مقترحا يتضمن هدنة رسمية قد تستمر عشرة أيام، وخطة لإعادة فتح المضيق. وبموجب الخطة، تتولى إيران والدول العربية المطلة على الخليج إدارة الممر من خلال آلية مشتركة.

ولا تدفع السفن، وفق التصور المقترح، رسوما إلزامية للعبور، لكن الكونسورتيوم المشترك يمكنه جمع «مساهمات طوعية» لتمويل وسائل الإرشاد الملاحي والخدمات البيئية وغيرها، في نموذج يشبه الترتيبات المعمول بها في مضيق ملقا بجنوب شرقي آسيا.

ومن الناحية النظرية، كان من شأن هذا المقترح أن يوفر تسوية تحفظ ماء الوجه لجميع الأطراف. إذ كان يمكن لإيران أن تقول إنها فرضت ترتيبا جديدا في المضيق، فيما تستطيع الولايات المتحدة القول إنها رفضت مطلب طهران بالسيطرة الكاملة وفرض رسوم إلزامية. أما دول الخليج، فكانت ستحصل على حرية المرور. لكن عمان سبق أن اقترحت ترتيبا مشابها، ورفضته إيران مرارا.

ورفضت طهران المقترح الجديد أيضا. وقال كاظم غريب آبادي، نائب وزير الخارجية الإيراني، في 28 يوليو، إن أي اتفاق يجب أن يمنح إيران السيطرة الكاملة على حركة السفن الداخلة إلى المضيق.

وفي وقت لاحق من الليلة نفسها، أطلقت إيران وابلا من الصواريخ على قاعدة أمريكية في الأردن. ورد ترامب متوعدا بشن رد عسكري شديد، قبل أن تنفذ وزارة الدفاع الأمريكية، في الساعات الأولى من 30 يوليو، جولة جديدة وكثيفة من الضربات الجوية.

وبعد أقل من شهر على توقيع مذكرة التفاهم، تبدو أجزاء كبيرة منها كأنها فقدت مفاعيلها. فقد نص بندها الأول على أن الولايات المتحدة وإيران اتفقتا على إنهاء الحرب «بشكل دائم»، لكن القتال استؤنف بعد أقل من ثلاثة أسابيع.

ويتعلق خلاف آخر بعشرات المليارات من الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة في مصارف أجنبية بسبب العقوبات. فقد توقعت إيران الإفراج الفوري عن جزء من تلك الأموال، بينما أصرت إدارة ترامب على أن يتم الإفراج عنها على مراحل، وبعد التحقق من امتثال طهران للاتفاق.

وكان يفترض أن يكون الجانبان قد قطعا شوطا في مفاوضات تستمر 60 يوما للتوصل إلى اتفاق شامل يعالج مخاوف الولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي الإيراني، ومطلب طهران برفع العقوبات على نحو طويل الأمد. لكن الطرفين لم يناقشا هذه القضايا الكبرى إلا بصورة محدودة. ولم تعقد أي محادثات رفيعة المستوى خلال الشهر الجاري، فيما تنقضي مهلة الستين يوما في 16 أغسطس، رغم إمكان تمديدها باتفاق متبادل.

يجد ترامب نفسه أمام خيارات صعبة. فتصعيد الحرب ينطوي على مخاطر كبيرة، بينما سيكون قبول سيطرة إيران على المضيق إحراجا له في الداخل، ومصدر قلق لحلفائه في الخليج

وترى «إيكونوميست» أن ترامب يجد نفسه أمام خيارات صعبة. فتصعيد الحرب ينطوي على مخاطر كبيرة، بينما سيكون قبول سيطرة إيران على المضيق إحراجا له في الداخل، ومصدر قلق لحلفائه في الخليج.

وفي الوقت الراهن، يبدو أن الرئيس الأمريكي يميل إلى كسب الوقت. فقد كثف الضغط العسكري والتهديدات إلى أن تجاوز سعر خام برنت 100 دولار للبرميل في 23 يوليو، ثم تراجع عن موقفه، ما أدى إلى هبوط الأسعار بصورة حادة.

وقد يأمل ترامب في إبقاء الحرب عند مستوى منخفض، بينما يؤدي الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية إلى زيادة الضغوط على اقتصاد البلاد. غير أن الهجوم الإيراني على الأردن أظهر أن واشنطن لا تتحكم وحدها في إيقاع المواجهة.

ويشعر حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة بالقلق والارتباك. فقد التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ترامب في البيت الأبيض في 28 يوليو، لكن اللقاء اتسم بتكتم غير مألوف.

ودخل نتنياهو من باب جانبي، فيما تجنب ترامب اللقاء المعتاد مع الصحافيين في المكتب البيضاوي. وفي اليوم التالي، قام وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان بزيارة سريعة إلى واشنطن.

وكانت المملكة قد تعرضت أخيرا لهجمات شنها الحوثيون في اليمن، إلى جانب جماعات مدعومة من إيران في العراق.

وسبق أن وجدت الولايات المتحدة وإيران نفسيهما في وضع مماثل. فقد وافق الطرفان على مذكرة التفاهم لأن الكلفة الاقتصادية للحرب، والحصارين المتبادلين في مضيق هرمز، أصبحت مرتفعة إلى حد يصعب تحمله.

في ظل استمرار الضربات وغياب مفاوضات جدية بشأن الملف النووي والعقوبات وترتيبات الملاحة، يبقى احتمال العودة إلى التصعيد قائما

لكن الصياغات الغامضة للمذكرة لم تحسم أيا من القضايا الأساسية بينهما، ولا توجد مؤشرات قوية على أن اتفاقا جديدا، في حال التوصل إليه، سيتمكن من معالجة جذور الخلاف.

وفي ظل استمرار الضربات وغياب مفاوضات جدية بشأن الملف النووي والعقوبات وترتيبات الملاحة، يبقى احتمال العودة إلى التصعيد قائما. أما التحركات الدبلوماسية الراهنة، فتبدو أقرب إلى محاولة لإدارة الأزمة ومنع انفجارها، لا إلى تسوية سياسية قادرة على إنهاء الحرب.