بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

قمة «الناتو» تقلب الموازين... وإسرائيل تخسر مساحة نفوذها

قمة «الناتو» تقلب الموازين... وإسرائيل تخسر مساحة نفوذها

لم تكن القمة الـ36 لحلف شمال الأطلسي، التي استضافتها أنقرة هذا الأسبوع للمرة الثانية فقط في تاريخ الحلف، اجتماعًا دبلوماسيًا عاديًا ضمّ قادة الدول الـ32 وممثلين رفيعي المستوى عن دول الخليج، بل تحولت إلى استعراض قوة مدروس استثمرت خلاله تركيا لحظة ارتباك غربي عميقة، لتفرض نفسها محورًا لا يمكن تجاوزه في معادلة الأمن الأوروبي، فيما تتراجع قدرة إسرائيل على التأثير داخل الحلف وفي شرق المتوسط.

وبحسب مقال تحليلي للدكتورة عنات هوخبرغ-ماروم في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، استغل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مجموعة من نقاط الضعف التي يمر بها حلف شمال الأطلسي، بدءًا من القلق المتزايد من احتمال تراجع الدور الأميركي وتحويل واشنطن مواردها نحو المنافسة الاستراتيجية مع الصين، مرورًا بتصاعد التهديد الروسي، وصولًا إلى المساعي الأوروبية لجعل الحلف أكثر استقلالية.


وفي وقت يقود فيه الأمين العام للحلف مارك روته توجهًا أكثر فاعلية لتحويل "الناتو" إلى حلف ذي طابع أوروبي أكبر، بهدف خفض الاعتماد على واشنطن، حوّل أردوغان القمة إلى منصة لفرض جدول أعمال دولي جديد.


وتناولت المناقشات أكثر الملفات إلحاحًا، من الحرب الروسية–الأوكرانية والتوتر مع إيران، إلى الهدف الطموح المتمثل في رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، وهو هدف يتعزز مع ارتفاع الإنفاق الدفاعي لأوروبا وكندا بنحو 90 مليار دولار خلال عام 2025.


كما ناقش قادة الحلف التحديات الأساسية التي تواجه بنية الدفاع الغربية، وفي مقدمها تكييف "الناتو" مع تهديدات الفضاء السيبراني، وأزمات أمن الطاقة، ومنظومات القتال القائمة على الذكاء الاصطناعي، وهي تحولات تعيد تشكيل طبيعة الحلف وحجم التهديدات التي يواجهها.


وفي ظل تعمّق الخلافات بين أعضاء الحلف، بما في ذلك سحب 5,000 جندي أميركي من ألمانيا، والاحتكاكات بين إدارة دونالد ترامب وروما ومدريد، والتوتر المرتبط بملف ضم غرينلاند، وتحفظ باريس وبرلين على التدخل في المواجهة مع إيران، تعمل تركيا على تقديم نفسها لا بوصفها عضوًا إضافيًا في الحلف، بل باعتبارها "محورًا مركزيًا لا غنى عنه".


وتستثمر أنقرة مجموعة من الأصول الاستراتيجية، أبرزها امتلاكها ثاني أكبر جيش في حلف "الناتو"، بنحو 350 ألف جندي، إلى جانب صناعة دفاعية مهيمنة، إذ تشكل الطائرات المسيّرة التركية نحو 65% من السوق العالمية، فضلًا عن موقع جغرافي استراتيجي يطل على البحر الأسود والقوقاز والشرق الأوسط.


ومن خلال هذه القدرات، ترسّخ تركيا نفسها ركيزة ضرورية لاستقرار الحلف وقوة موازنة داخله، رغم استمرار توتراتها مع اليونان وقبرص، وفي الوقت نفسه تواصل المناورة بين موسكو وطهران.


وتستفيد أنقرة بالتوازي من سباق التسلح الأوروبي لترسيخ قطاعها الدفاعي بوصفه محركًا أساسيًا للنمو، عبر تقليص الاعتماد على استيراد التكنولوجيا، والاندماج في سلسلة القيمة التابعة لحلف "الناتو"، والحصول على معرفة تكنولوجية متقدمة مقابل قدراتها العملياتية الميدانية.


كما عززت الاستثمارات في حرب الطائرات المسيّرة والقدرات السيبرانية، استنادًا إلى الدروس المستخلصة من الحرب في أوكرانيا، الوزن التركي داخل الحلف.


ومن المتوقع أن تسهم تركيا بنحو 355 مليون دولار في موازنة "الناتو" عام 2026، وأكثر من 730 مليون دولار بحلول عام 2030، وذلك بعد ارتفاع صادراتها الدفاعية إلى أوروبا والولايات المتحدة بمقدار 4 أضعاف، لتبلغ 5.6 مليارات دولار بين عامي 2021 و2025.


ولا يُعدّ القلق التركي من قيام بنية أمنية أوروبية تترك أنقرة على الهامش أمرًا عابرًا، بل يمثل هاجسًا استراتيجيًا عميقًا لدى أردوغان.


وانعقدت القمة في ظل حرب استنزاف طويلة الأمد في أوكرانيا، حيث تستخدم كييف الطائرات المسيّرة وقدرات هجومية متقدمة لتعطيل الإمدادات اللوجستية الروسية، وتهديد شبه جزيرة القرم، وضرب منشآت الطاقة والصناعة على بعد مئات الكيلومترات من الجبهة، فيما لا تزال موسكو متمسكة بموقفها.


وفي هذه الظروف، تبرز الأهمية الجيوستراتيجية لتركيا بصورة أكبر، فعلى الرغم من علاقاتها الاقتصادية مع موسكو، بما في ذلك مشروع الطاقة النووية المدنية الذي يعمّق اعتمادها على الطاقة الروسية، تدرك أنقرة وزن عضويتها في "الناتو"، ولا سيما بعد اعتراض صواريخ إيرانية بواسطة منظومات الدفاع الجوي المشتركة للحلف.


واستثمر أردوغان القمة لتسليط الضوء على التحديات الخاصة التي تواجه تركيا من الشرق والجنوب، وللتشديد على مساهمتها الأساسية في الأمن الأوروبي وعبر الأطلسي، من خلال قوتها العسكرية وصناعاتها الدفاعية المتقدمة، ومن بينها عقد بقيمة 1.9 مليار دولار لتطوير منظومات دفاع جوي عام 2025، إضافة إلى مجال نفوذ يمتد عبر أوروبا والشرق الأوسط والبحر الأسود والقوقاز وآسيا الوسطى.


وتعزز هذه المعطيات المكانة الجيوسياسية لأنقرة وتدعم دفاعات الجناح الجنوبي لحلف "الناتو"، في وقت تعزز النرويج الجناح الشمالي، وتدعم بولندا الجناح الشرقي.


وخلف التصريحات العلنية، وجّه أردوغان إلى قادة الحلف رسالة استراتيجية واضحة، مفادها أن تركيا لن تسمح لأوروبا ببناء هندسة دفاعية جديدة على حسابها.


ومن وجهة نظر أنقرة، فإن أي مبادرة أوروبية لإنشاء آلية دفاع مستقلة تقلل الاعتماد على الولايات المتحدة وتخفف من أهمية "دول المواجهة"، تُعدّ تهديدًا مباشرًا لمكانة تركيا الجيوسياسية.


ويعزز تحسن العلاقات مع واشنطن، التي بلغ حجم التجارة الثنائية معها 49.1 مليار دولار عام 2025، موقع تركيا بوصفها محورًا أساسيًا في الأمن عبر الأطلسي.


ويشمل هذا التحسن إزالة القيود المفروضة على بيع مقاتلات "F-35"، وتعميق الاستثمارات الأميركية في مجالي الطاقة والبنية التحتية، إلا أنه يخلق في الوقت نفسه معضلة استراتيجية أمام حلف "الناتو".


فالانتقال إلى نموذج "الناتو 3.0"، الذي تتحمل فيه أوروبا مسؤولية الدفاع التقليدي، بينما تركز الولايات المتحدة على الردع النووي والقدرات الاستراتيجية، يؤدي إلى تغيير ميزان القوى داخل الحلف.


وفي وقت تركّز فيه واشنطن مواردها على المنافسة مع بكين، تضع تركيا نفسها ركيزة رئيسية وعنصرًا ثابتًا ومرنًا في مواجهة تعدد الأزمات والتهديدات القادمة من آسيا والقوقاز والشرق الأوسط.


وأظهرت قمة أنقرة تحولًا في النظرة الغربية إلى تركيا، إذ باتت تُعدّ، بعد سنوات من التوتر، عنصرًا لا بديل منه، بفعل موقعها الجغرافي وقدرتها على المناورة الدبلوماسية وشبكة علاقاتها المتزامنة مع مراكز قوى متنافسة.


وفي هذا السياق، تتبنى أوروبا والولايات المتحدة مقاربة أكثر براغماتية تجاه أردوغان، تقوم على تقديم المصالح الأمنية المشتركة، وفي مقدمها كبح روسيا، على الخلافات السياسية.


ويضع انعقاد قمة "الناتو" في أنقرة وتصاعد قوة الصناعات الدفاعية التركية إسرائيل أمام تحدٍّ استراتيجي متعدد الأبعاد، يعكس تآكلًا مستمرًا في مساحة تأثيرها داخل الحلف وفي شرق البحر المتوسط.


فصعود تركيا بوصفها الدولة المضيفة للقمة والمؤثرة في رسم جدول أعمال الحلف يدفع إسرائيل إلى الهامش، ويصعّب عليها توظيف علاقاتها الأمنية والاستخباراتية، خصوصًا في ظل تقديم أردوغان لها بوصفها عاملًا يزعزع الاستقرار الإقليمي.


كما أن توقف التعاون بين تركيا وإسرائيل منذ 7 تشرين الأول يكتسب اليوم شرعية أوسع، ويعزز الخطاب المناهض لإسرائيل على خلفية الحرب في غزة.


وفي الوقت نفسه، تعمل تركيا على تثبيت نفسها عقدة لوجستية وتجارية بين آسيا وأوروبا، عبر "الممر الأوسط" ومبادرات أخرى في مجالي الطاقة والبنية التحتية.


وفي مقدمة هذه التحركات، تأتي الاتفاقات الاستراتيجية مع السعودية لإحياء سكة حديد الحجاز وتطوير ممر تجاري بري يربط أوروبا بالشرق الأوسط والخليج، بما يجعله منافسًا لمشروع "الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا"، المعروف اختصارًا بـ"IMEC"، الذي يهدف إلى نقل البضائع بين الهند وأوروبا عبر الإمارات والسعودية والأردن وإسرائيل واليونان.


وتزيد هذه الخطوات نفوذ تركيا على طرق التجارة والوصول إلى الأسواق، كما تقوّض الميزة الاستراتيجية التي تتمتع بها إسرائيل في شرق البحر المتوسط.


وعلى الرغم من عدم وجود تهديد فوري لصادرات الغاز الإسرائيلية، تبرز مخاوف من أن تتحول تركيا مستقبلًا إلى محور ضروري للطاقة، بما يعزز مكانتها الإقليمية ويحدّ من مشاريع إسرائيل البحرية وروابطها الاستراتيجية.


وفي ظل هذا الواقع، باتت إسرائيل مطالبة بإحداث تغيير جذري في مقاربتها وبناء استراتيجية استباقية وبراغماتية، عبر تعميق العلاقات الثنائية مع الدول الأوروبية الصديقة، وتعزيز التعاون مع اليونان وقبرص ومصر والإمارات والولايات المتحدة، وتطوير مسارات بديلة للتجارة والطاقة تتجاوز تركيا.


ورغم أن دول "الناتو" لا تزال ترى في إسرائيل شريكًا تكنولوجيًا وأمنيًا أساسيًا، تكشف الصورة العامة أن أنقرة تعمل بصورة منهجية ومتطورة على تقليص النفوذ الإسرائيلي إقليميًا، ونقل المنافسة من المجال السياسي إلى نطاق جيو–اقتصادي أوسع.


وفي المحصلة، شكّلت قمة أنقرة نقطة تحول تنسجم مع طموحات أردوغان المهيمنة، إذ لم تعد تركيا لاعبًا ثانويًا، بل باتت قوة مركزية تسهم في تشكيل مستقبل الأمن الأوروبي والشرق أوسطي.


أما بالنسبة إلى إسرائيل، فإن المعادلة الجيوسياسية والأمنية الجديدة تفرض إعادة حساب المسار، وتسريع بناء التحالفات الإقليمية وإنشاء بنى تحتية وممرات بديلة، لضمان استقلالها الاستراتيجي خلال العقد المقبل.