تتجه منظومات الدفاع الجوي الروسية المتطورة من طراز "S-400"، التي فجّرت خلال السنوات الماضية أزمة دبلوماسية حادة بين تركيا والولايات المتحدة، نحو دولة ثالثة في الخليج، ضمن صفقة مفاجئة يُتوقع استكمالها والإعلان عنها رسميًا اليوم، بما يتيح لأنقرة معالجة مجموعة من أزماتها الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية دفعة واحدة.
وبحسب تقرير للصحافي إيلي ليون في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، كشف المحلل التركي البارز عبد القادر سيلفي، في مقال نشرته صحيفة "حرييت"، أن السؤال لم يعد يتعلق بالمصير الذي ستؤول إليه منظومات "S-400"، بل بما حدث لها بالفعل.
وأشار سيلفي إلى أن صحافيين سألوا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أخيرًا عن وضع المنظومات الروسية، فردّ بإشارة تكتيكية قائلًا: "ابقوا على اطلاع".
ووفق المعلومات المتوافرة، بيعت المنظومات المثيرة للجدل إلى دولة خليجية، فيما لا تزال هوية الجهة المشترية محاطة بالغموض، وسط معلومات متباينة تشير إلى أن الوجهة النهائية قد تكون الإمارات العربية المتحدة أو قطر.
وجرى بحث التفاصيل الأخيرة للصفقة الضخمة حتى ساعات متقدمة من الليل، فيما تم التوصل إلى التفاهمات النهائية بشأنها قرابة منتصف الليل.
ويرتبط توجه دول الخليج للبحث عن منظومات دفاع بديلة لا تنتجها الولايات المتحدة بصدمات أمنية عميقة شهدتها الإمارات وقطر أخيرًا.
وأوضح التقرير أن الإمارات تلقت ضربات قاسية نتيجة سلسلة هجمات إيرانية شلّت بصورة كاملة الاقتصاد المحلي، الذي يعتمد إلى حد كبير على قطاع السياحة.
وفي موازاة ذلك، شهدت قطر "صدمة أمنية" خاصة بها، عقب هجوم إسرائيلي استثنائي وقع قبل اندلاع الحرب الشاملة والواسعة بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل.
وكشف الهجوم الإسرائيلي نقطة ضعف خطيرة في منظومة الدفاع الجوي القطرية، إذ لم تُفعّل صواريخ "باتريوت" التي زودت بها الولايات المتحدة الدوحة خلال الهجوم.
وزعم التقرير أن السبب يعود إلى أن المنظومات الأميركية بُرمجت مسبقًا للتعامل مع إسرائيل بوصفها دولة صديقة، ما ترك الأجواء القطرية مكشوفة بالكامل.
وعادت قضية منظومات "S-400" دفعة واحدة إلى صدارة الاهتمام العالمي، بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أخيرًا نيته رفع عقوبات قانون "كاتسا" عن تركيا، وهي العقوبات التي فُرضت أساسًا ردًا مباشرًا على شراء أنقرة المنظومات الروسية.
غير أن رفع العقوبات يتطلب من ترامب إرسال كتاب إخطار رسمي إلى الكونغرس الأميركي، يؤكد فيه استيفاء 3 شروط أساسية: أن منظومات "S-400" غير تشغيلية، وأن تركيا لم تعد تحتفظ بها على أراضيها، وأن أنقرة تتعهد صراحة بعدم تطوير علاقات أمنية مماثلة مع موسكو مستقبلًا.
وفي حال لم يقتنع أعضاء الكونغرس بأن هذه الشروط القانونية قد استوفيت بالكامل، فقد يُطرح الملف الحساس للتصويت في أجواء متوترة.
وحتى الآن، بقي الوضع الدقيق للمنظومات لغزًا كاملًا، فرغم أنه كان معروفًا أن طواقم عسكرية تركية خضعت لتدريبات واسعة في روسيا لتشغيلها باحتراف، وأنه كان بالإمكان إدخالها الخدمة بسرعة عند الحاجة، لم تتوافر معلومات واضحة بشأن ما إذا كانت قد شُغلت فعليًا، أو بقيت مخزنة في مستودعات سرية، أو أُرسلت بالفعل إلى وجهة أخرى خارج البلاد.
ويبدو الآن أن أنقرة عثرت على ما وصفه التقرير بـ"المعادلة المثالية".
وخلص سيلفي إلى أنه في حين كان التعبير الأكثر تداولًا خلال قمة حلف شمال الأطلسي الأخيرة هو "ناتو 3.0"، فإن تركيا تتجه عمليًا إلى تحقيق فوز كامل بنتيجة "3-0".
وبموجب هذه الخطوة الاستراتيجية، ستتخلص تركيا نهائيًا من عقوبات "كاتسا" المرهقة، وستجني أرباحًا مالية كبيرة من بيع المنظومات إلى دولة خليجية غنية، فضلًا عن حصولها على مكاسب استراتيجية غير مسبوقة، تتمثل في تسلّم محركات مقاتلتها المستقبلية "قآن"، وإعادة فتح المسار الذي تطمح إليه لشراء مقاتلات "F-35" الشبحية المتطورة.
وبذلك، تبدو صفقة "S-400" أكثر من مجرد عملية بيع عسكرية، إذ تتحول إلى ورقة تركية لإعادة ترتيب العلاقة مع واشنطن، وتعزيز حضور أنقرة في الخليج، وفتح الطريق مجددًا أمام مشروعاتها الجوية الأكثر طموحًا.
