ترامب مخترع. والسؤال الأهم: هل يعرف أنه يخترع ويكذب ويبني واقعاًبديلاً، أم أنه يؤمن بالواقع الذي يصنعه. آخر مثال على ذلك تصريحه العابر بأن تركيا على وشك الانضمام للحرب، “على الأرجح إلى جانب إيران، لأنها لا تحب إسرائيل كثيرا”. لحسن الحظ حسب روايته، طلب من أردوغان عدم التقدم، فامتثل.
أما أنقرة، كما كان متوقعاً، فرفضت هذه الرواية. وأكد مصدر في حكومة تركيا لـ “هآرتس” أن تركيا لم تكن تنوي التدخل في الحرب مع إيران، لا إلى جانب الولايات المتحدة ولا إيران. وأوضح المصدر بأن موقف تركيا كان واضحاً من البداية: معارضة الحرب، حتى بعد إطلاق صواريخ إيرانية في مجالها الجوي. وفي المرات الأربع التي أطلقت فيها صواريخ على تركيا في آذار، اعترضتها قوات الناتو وبطاريات الباتريوت. ولم تفكر أنقرة حتى في تفعيل بند دفاع مشترك للحلف. ولكن هناك واقعاً وهناك ترامب؛ ففي واقعه، توجه إلى “الشخص القوي” وطلب منه عدم التدخل، ووافق الزعيم التركي بدافع الشهامة.
يجدر بأن نذكر أيضاً ما لم يقله ترامب. فخلافاً للغته اللاذعة عندما صرح بأن”بيبي سيفعل ما أقوله له”، تحدث عن أردوغان بحذر كبير، وليس بالصدفة؛فـ “العلاقة الأخوية”، كما وصفها توم باراك، السفير الأمريكي في تركيا والمبعوث الخاص في سوريا والعراق، تقوم على تقدير عميق لترامب. كان ترامب يكن وداً كبيراً لأردوغان من فترة ولايته الأولى، وحرص على التأكيد بأنه سيشارك في قمة الناتو التي ستعقد في 7 تموز القادم، “لأن أردوغان اتصل بي وأخبرني بضرورة مشاركتي”. وفي الوقت نفسه، ألمح إلى أنه سيفعل “شيئاً يفرح أردوغان كثيراً”. يبدو أنها خطوة أخرى نحو الموافقة على صفقة طائرات اف 35 ومحركات الطائرات النفاثة المتقدمة. ربما اختلف ترامب قصة التدخل، ولكنه لم يختلق الوضع الجديد الذي تسعى إليه تركيا لنفسها – إملاء سياستها، وليس أن تجبر على اتباع سياسة الآخرين.
أما عن لأردوغان، فلم تعد قمة الناتو القادمة مؤتمراً فقط، بل فرصة تاريخية. استضافت تركيا آخر قمة للناتو في العام 2004، بعد سنة من توليه السلطة. كانت تركيا في حينه مختلفة كلياً، حيث كانت الدولة للتو قد بدأت الخروج من أزمة اقتصادية شديدة، ساهمت في صعوده. كان الجنرالات ما زالوا يشكلون تهديداً للسياسة المدنية، لا سيما له. بالكاد كانت الصناعات الأمنية المحلية تلبي خمس احتياجات الجيش، وكان الإنتاج الأمني السنوي يزيد قليلاً عن مليار دولار. ومن المفارقة أن تركيا اشترت الطائرات المسيرة الأولى من إسرائيل.
أصبحت صفقة طائرات “هيرون” المسيرة منذ ذلك الحين درساً بليغاً في الوعي التركي. طلبت أنقرة 10 طائرات مسيرة، وتأخرت عملية التسليم، وعندما وصلت المعدات، اشتكى الأتراك من عدم مطابقتها للمواصفات. لقد زعمت تركيا أن إسرائيل عطلت بشكل متعمد قدرة الطائرة على التصوير وجمع المعلومات الاستخبارية. ولم يتم حل المشكلة إلا بعد سنوات من تبادل الاتهامات وحدوث أزمات وضغوط سياسية. ولكن بالنسبة لأردوغان، فقد حققت هذه المسألة غرضها بالفعل، حيث عززت قراره السابق بجعل تركيا مكتفية ذاتياً. ومنذ ذلك الحين، شهدت تركيا تحولاً جذرياً؛ فقد ألغى أردوغان صفقات شراء خارجية بمليارات الدولارات، واستثمر في البنى التحتية للتصنيع المحلي وبنى صناعة عسكرية استطاعت تحويل البلاد إلى إمبراطورية إقليمية للمسيرات ولاعبة عالمية في الصناعات الأمنية. والآن،تمتلك تركيا ثاني أكبر جيش في حلف الناتو، وتنتج صناعاتها الأمنية حوالي 20 مليار دولار سنوياً، وتخطط في هذه السنة لاستثمار أكثر من 27 مليار دولار في توسيع الإنتاج. وفي الوقت نفسه، تسعى إلى تقديم نفسها، ليس فقط كمالكة للسلاح أو مستخدمة فعالة له، بل أيضاً كمورد للوسائل والخبرة العسكرية.
لذلك، يتم التخطيط للقمة القادمة في أنقرة لتكون استعراضاً على نطاق واسع. ووفقاً لبيانات نشرها مركز الاتصالات الرئاسية، سيشارك في القمة 32 رئيس دولة من دول الناتو، ونحو 100 وزير. ويتوقع مشاركة وزراء ومئات العلماء ورجال الأعمال، وأكثر من 3 آلاف مراسل أجنبي. سيتم إعداد حوالي 1600 محطة عمل و26 موقع بث لوسائل الإعلام، وسيتولى حوالي 850 موظفاً تركياً المسؤولية عن نظام الخدمات والدعم. في الوقت نفسه، ستقام عشرات الفعاليات والندوات والجولات السياحية في إسطنبول. تستثمر تركيا حوالي ربع مليار دولار في هذا الحدث، وهذا مبلغ يشمل إعداد مطار إضافي، وإصلاح الشوارع والأرصفة، وتمويل نظام أمني غير مسبوق. وقد تم بالفعل نشر عشرات آلاف رجال الشرطة والأمن في نقاط رئيسية. وكما هي العادة في مثل هذه الفعاليات في تركيا، فقد تم إغلاق فضاء الاحتجاج: تم حظر المظاهرات من أي نوع، وأكثر من 200 شخص تم اعتقالهم بتهمة “نية الإخلال بالنظام العام”، وهذا بند واسع يسمح بإبعاد عن الشارع ليس فقط المخلين بالنظام، بل أيضاً منتقدي النظام والخصوم السياسيين.
لا يريد أردوغان من الضيوف فقط المشاركة في القمة، بل أيضاً استيعابهم لرواية معينة. سيحصل كل مشارك على 3 كتب فاخرة تم إعدادها للمؤتمر، تتناول قوة تركيا العسكرية وقدرتها التصنيعية وجهودها في مكافحة الإرهاب ومكانتها الإقليمية والدولية. الرسالة واضحة: لم تعد تركيا “جسراًبين الشرق والغرب” فقط، تلك العبارة الدبلوماسية المبتذلة التي رافقتها لسنوات؛ بل تسعى إلى أن تعتبر شريكة لا غنى عنها، وليس مجرد محطة عبور، بل عنوان، ليست وسيطة تخدم مصالح الآخرين، بل جهة تصوغ مصالحها الإقليمية بنفسها.
تتيح الحرب مع إيران فرصة مثالية لتسويق هذا التطور. لم تكن دعوة قطر والبحرين والإمارات والكويت للقمة تهدف فقط إلى تحسين صورة هذه القمة؛ فهذه الدول أعضاء في “مبادرة إسطنبول للتعاون” التي أطلقت في مؤتمر العام 2004، وهي جزء من مسعى تركي واضح لوضع أنقرة في موقع محوري بين حلف الناتو والخليج، وبين الولايات المتحدة والبنية الإقليمية التي قد تتبلور ذات يوم بعد الحرب.
هذه أيضاً العقيدة الجديدة التي بدأ وزير خارجية تركيا، هاكان فيدان، في صياغتها. والدرس المستفاد واضح: لا يمكن لدول المنطقة الاستمرار في الاعتماد على التحالفات الخارجية أو الرعاية الأمريكية وحدها لبناء أمنها. في مقابلة مع قناة “الجزيرة” في كانون الثاني الماضي، قال فيدان إن تركيا تسعى بجهد لإقامة حلف دفاع إقليمي “يقوم على الثقة والتعاون بدلاً من التحالفات الخارجية أو الرعاية”. وأضاف: “نريد إنشاء منصة للتضامن الإقليمي”. هذه صيغة طموحة أكثر بكثير من الصورة النمطية لتركيا كدولة وساطة. يقترح فيدان نظاماً أمنياً جديداً، تكون تركيا طرفاً فاعلاً في صياغته.
مع ذلك، ما زالت هذه العقيدة بعيدة عن أن تصبح منتجاً مرغوباً فيه؛ أولاً، لأن التضامن الإقليمي الذي يتحدث عنه فيدان له حدود سياسية واضحة من البداية. وإسرائيل ليست شريكة ما لم تتبن حل الدولتين. ثانياً، دول الخليج حذرة جداً، لم تقطع أي دولة من هذه الدول علاقاتها مع إيران، بل إن الكثير منها تجري محادثات معها بشأن الترتيبات الأمنية والتعاون الاقتصادي لما بعد الحرب. وحتى العلاقات الوثيقة التي بنتها تركيا في السنوات الأخيرة مع السعودية والإمارات وقطر، بما في ذلك صفقات السلاح والاستثمارات الضخمة في اقتصاد تركيا، لم تبدد تماماً الشكوك التاريخية لبعض هذه الأنظمة في أنقرة بشكل عام، وتجاه أردوغان بشكل خاص.
يضاف إلى ذلك الخلافات الداخلية بين دول الخليج نفسها؛ فالمنافسة بين الرياض وأبو ظبي على اليمن والسودان، والمنافسة المستمرة مع قطر، وحياد الكويت الصارم، وقبل أي شيء حالة عدم اليقين التي تحيط بمستقبل المفاوضات بين أمريكا وإيران، كل ذلك يضع دول الخليج على قائمة الانتظار. فهي مستعدة للاستماع إلى تركيا، وربما حتى شراء السلاح منها، لكنها ليست مستعدة حتى الآن لتسليمها زمام الأمن الإقليمي.
تعاني تركيا نفسها من مشكلة هيكلية؛ فبصفتها عضوة في حلف الناتو تستفيد من بند الدفاع المشترك في الحلف وتلتزم بقواعده. وإن تحالفاً أمنياًإقليمياً، تلعب فيه تركيا دور الركيزة الدفاعية لدول الخليج وليس مورداًللسلاح فقط، قد يرتب عليها التزامات تتعارض بشكل مباشر مع عضويتها في حلف الناتو. وهنا تكمن مفارقة تركيا: فأنقرة لا ترغب في التخلي عن التحالف، بل تسعى إلى استغلاله اقتصادياً وسياسياً، وفي الوقت نفسه،تطمح إلى أن تكون مركزاً للتبعية الأمنية لدول المنطقة. ويصعب الدمج بين عضوية الناتو المتميزة ومكانة منسقة النظام الأمني الجديد في الشرق الأوسط.
إذا كان ترامب قد منح أردوغان هدية، فلم تكن هذه الهدية ادعاء بأن تركيا ستتدخل في الحرب إلى جانب إيران ضد إسرائيل، أو مشاركته في قمة الناتو، بل كانت هذه فرصة لتذكير العالم بالتحالف بينه وبين أردوغان، والتأكيد بأن تركيا، وليس إسرائيل، هي محور الأحداث من جديد؛ وربما أيضاً لدعم رؤية تركيا. والسؤال المطروح هو: هل سيقتنع المشاركون في القمة بهذه الرؤية أم يكتفون بهذا الاستعراض؟
تسفي برئيل
هآرتس 26/6/2026
