في وقت تتجه فيه الأنظار إلى الاستحقاقات السياسية المقبلة في إسرائيل، يطرح الكاتب والصحافي دان بيري سؤالاً بات يتردد بقوة داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية: ماذا لو اعتبر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أن خسارة الانتخابات ليست خياراً ممكناً؟
وبحسب مقال للصحافي دان بيري، في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، فإن هذا القلق لا يستند فقط إلى استطلاعات الرأي التي تظهر صعوبة متزايدة أمام الائتلاف الحاكم للحفاظ على أغلبيته، بل أيضاً إلى قناعة متنامية لدى معارضي نتنياهو بأن الرجل الذي أمضى أكثر من ثلاثة عقود في الحياة السياسية قد لا يتقبل بسهولة نهاية مسيرته السياسية.
ويشير بيري إلى أن رئيس الحكومة الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك عبّر أخيراً عن هذه المخاوف عندما قال إنه إذا حاول نتنياهو المساس بالانتخابات فقد تكون هناك حاجة إلى "إخراجه بالعصي والحجارة". وهي تصريحات كانت ستُعتبر قبل سنوات أمراً استثنائياً، لكنها باتت اليوم جزءاً من نقاش سياسي أوسع حول سيناريوهات كانت تُعدّ مستبعدة في السابق.
ويستند المقال إلى مداخلة رئيس لجنة الانتخابات المركزية القاضي نوعام سولبرغ خلال مؤتمر أكاديمي في القدس، حيث عرض دراسة تتناول إمكانية تأجيل الانتخابات في ظروف الطوارئ. ويؤكد الكاتب أن سولبرغ لم يدعُ إلى تأجيل الانتخابات، لكنه وضع ستة شروط صارمة تجعل مثل هذا القرار استثنائياً ومحدوداً وخاضعاً للرقابة، من دون أن يكون مستحيلاً.
ويشرح بيري أن الشرط الأول يتمثل في "اختبار الضرورة"، أي إثبات أن الأزمة القائمة تمنع فعلياً إجراء انتخابات حرة ومتساوية. لكنه يرى أن هذا المعيار قد يكون عملياً الأكثر سهولة في الالتفاف عليه إذا نشأت ظروف أمنية أو سياسية أو اجتماعية استثنائية يمكن استخدامها لتبرير التأجيل.
أما الشرط الثاني فهو أن يكون التأجيل مؤقتاً ومحدداً بموعد واضح. غير أن الكاتب يشير إلى أن التجربة الإسرائيلية أظهرت مراراً أن الإجراءات المؤقتة كثيراً ما تستمر لفترات أطول من المتوقع، متسائلاً عمّن يضمن عدم ظهور مبررات جديدة لتمديد التأجيل مستقبلاً.
ويتناول المقال كذلك مبدأ "التعددية المؤسسية"، الذي يفرض مشاركة جهات رقابية ومؤسسات مختلفة في أي قرار من هذا النوع. إلا أن بيري يرى أن المشكلة أصبحت سياسية أكثر منها قانونية، في ظل تراجع الثقة الشعبية بعدد من المؤسسات الإسرائيلية نتيجة الاستقطاب الحاد القائم.
كما يناقش الكاتب شرط "الملاذ الأخير"، والذي يفرض استنفاد جميع البدائل الممكنة قبل التفكير بتأجيل الانتخابات، مثل مراكز الاقتراع الخاصة أو التصويت المبكر أو الترتيبات الخاصة بالنازحين والعسكريين. لكنه يتساءل في المقابل عمّن سيحدد متى تصبح هذه البدائل غير كافية.
ويضيف أن شرط الشفافية وتقديم التبريرات العلنية يواجه بدوره تحديات كبيرة في إسرائيل الحالية، حيث أصبحت غالبية الوقائع والتقديرات الأمنية محل انقسام سياسي حاد، ما يجعل أي قرار عرضة للتشكيك من جانب قسم كبير من الجمهور.
أما الشرط الأخير الذي ركز عليه سولبرغ فهو العودة إلى الحياة الديمقراطية الطبيعية بعد انتهاء حالة الطوارئ، وهو ما يعتبره الكاتب الاختبار الأهم، لأن الخشية الحقيقية لا تكمن في تأجيل محدود للانتخابات، بل في كسر المبدأ الذي يمنع المساس بمواعيدها الدستورية.
ويشدد بيري على أنه لا توجد أي أدلة أو معطيات تثبت أن نتنياهو يخطط فعلاً لتأجيل الانتخابات، ولا يوجد ما يثبت وجود مؤامرة أو قرار يُحضّر خلف الكواليس. لكنه يعتبر أن المخاوف تنبع من طبيعة المواجهات السياسية والقضائية التي خاضها نتنياهو خلال السنوات الماضية ضد مؤسسات الدولة المختلفة.
ويستعرض الكاتب سلسلة من الانتقادات الموجهة إلى نتنياهو، من بينها صراعه مع أجهزة إنفاذ القانون والقضاء، إضافة إلى سياسات وتشريعات مثيرة للجدل تتعلق بقضايا التجنيد والمؤسسات الدستورية والإعلام.
ويخلص دان بيري إلى أن السيناريو المتطرف قد لا يتحقق أبداً، لكنه يرى أن مجرد طرح إمكانية تأجيل الانتخابات في ظل ظروف استثنائية يفرض على الجمهور الإسرائيلي البقاء في حالة يقظة دائمة، لأن أي محاولة لتأجيل الانتخابات أو التشكيك بنتائجها ستتحول إلى اختبار حقيقي لمتانة النظام الديمقراطي الإسرائيلي.
