بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

للعام الثالث: أطفال غزة محرومون من فرحة وطقوس العيد

للعام الثالث: أطفال غزة محرومون من فرحة وطقوس العيد


للعام الثالث: أطفال غزة محرومون من فرحة وطقوس العيد27-05-2026

يحلّ عيد الأضحى للعام الثالث على التوالي على أطفال قطاع غزة بلا ملامح للفرح أو الطقوس التي كانت ترسم البهجة في أيام ما قبل الحرب، حيث غابت الأراجيح والحدائق، والملابس الجديدة والألعاب، لتحل محلها مشاهد الدمار والركام والواقع اليومي الصعب.

فلم لم تعد الساحات العامة والمتنزهات التي كانت تشكل متنفساً لهم موجودة، بعد أن طالها التدمير والتجريف، ما حرمهم من أماكن اللعب والاحتفال.

لا كرة ولا دمى

يجلس الطفل ركان الشوا (7 أعوام) أمام خيمة عائلته في مخيم الجود وسط مدينة غزة في مشهد يكاد ينسيك أنه اليوم الأول لعيد الأضحى إذ غابت عن ملامحه فرحة العيد، لتحل محلها ملامح طفولة مثقلة بالقسوة والحرمان الذي يعيشه هو وأقرانه.

يقول ببراءة شديدة وقد استبدل بالدمى باللعب بالرمل المخلوط بمياه شاحنة من المياه الصالحة للشرب كانت قد وصلت صباحاً إلى المخيم "لم تشترِ لي والدتي ملابس العيد، لأنها فقيرة ووالدي شهيد".

ثم يصمت لحظات وهو يتفحص وجوه من حوله، ويتمتم "أريد كرة، أريد دمية، أو مسدس الخرز أريد نظارة، ومحفظة صغيرة.

ويتنهد قليلا، ثم يتابع: "أشتاق لوالدي الذي تركنا.. لقد ذهب إلى الجنة.. ليتني معه آكل الحلويات وأركب الأرجوحة".

والد ركان كان قد استشهد قبل رمضان الماضي، في قصف استهدف محيط مدرسة القاهرة وسط مدينة غزة، وأسفر عن استشهاد ثلاثة مواطنين.

وتتدخل والدة ركان (هويدة إبراهيم، 34 عاماً) بالقول، وهي تبحث عن طفلها الممتعض، نتيجة عدم توفر ملابس العيد: "بالكاد أستطيع توفير الطعام له ولأخوته الثلاثة، لا معيل لي ولا سند".

وتقول: "ينفطر قلبي في هذه المناسبات إذ يُحرم أطفالي من فرحة العيد كما باقي الأطفال، هي مناسبات للوجع والعذاب.. ألا يكفيني فراق أبيه!".

عروس من القماش

أما الطفلة ربا عكيفة (9 أعوام)، فقد ارتدت ثوباً جميلاً لكنها تبكي، إذ كانت ترغب بالذهاب إلى متنزه ساحة الجندي المجهول لركوب الخيل، كما اعتادت في كل عيد قبل الحرب.

وتقول ربا: "قلت لأبي أني أريد الذهاب للمتنزه الجندي المجهول وسط مدينة غزة، لكن أبي رفض، فهو لا يملك نقوداً، كما أن الساحة لم تعد كما كانت، بل أضحت أرضاً مجرفة بلا ملامح".

وتضيف، وهي تحضر عروساً صنعتها من القماش "هذه عروستي صنعتها قبل أيام كي أحتفل بها أمام صديقاتي في العيد لأن والدي لا يستطيع شراء عروس حقيقية لي".

وتختم وهي تلعب بالعروسة "لا أشعر بالسعادة ولا بالفرحة بل أشعر أن كل شيء مزيف حتى العروسة".

يشار إلى أن متنزه الجندي المجهول في حي الرمال بمدينة غزة كان يعد أحد المزارات الأساسية في يوم العيد للأطفال والكبار أما حالياً وبعد قيام جيش الاحتلال بتجريفه وتدمير الأشجار هناك فقد تحول إلى كومة من الرمال والركام وذلك في أواخر عام 2023.

والد ربا، سالم عكيفة (55 عاما) يعلق على الأمر بقوله "أشعر بالحزن على الأطفال فنحن كآباء لا نستطيع شراء ملابس جديدة لهم ولا حتى إعطائهم العيدية التي هي بنظر الطفل شيء مقدس".

ويضيف: "أحاول تعويضهم عن هذه العيدية بشراء بعض الشوكولاتة والحلويات رخيصة الثمن، وهو ما أستطيع فعله في ظل الظروف الصعبة التي نعيشها جراء ثلاثة أعوام من الحرب والقتل والدمار".

ويعود بالذاكرة فيقول: "كم كنا قبل نتشوق للعيد، كنا نبدأ بالتحضير له قبل أيام من شراء الملابس والهدايا والألعاب، لكن اليوم نمضي اليوم بحسرة لا تشبهها حسرة".

ويختم عكيفة حديثه بالقول: "لا عيد ينسينا ما حلّ بنا، فنحن نتظاهر فقط بالاحتفال، لكن القلب مليء بالسواد والحزن".

هذا ويعاني قطاع غزة من أزمة شديدة فيما يُسمى "الفكّة"، نتيجة عدم سماح الاحتلال بأي سيولة نقدية بالدخول إلى أسواق وبنوك غزة، مما أدى إلى اهتراء العملة الورقية، وبالتالي امتناع المواطنين عن التداول والتعامل بالفكّة، الأمر الذي انعكس سلباً على حركة البيع والشراء، ومنها غياب العيدية؛ بسبب عدم توفر الفكة.

تعبئة جرادل الماء

على بعد أمتار تقف الطفلة منال أحمد (13 عاماً) وهي تحمل جرادل من الماء وتحاول الوقوف في طابور تعبئة مياه الشرب تقول "لم أكن أتخيل في يوم من الأيام أن يأتي العيد وانا أقف في طابور تعبئة المياه".

وتضيف بعدما وضعت الجرادل على الأرض في مشهد يوحي بكمية التعب "أي عيد هذا الذي تتحدثون عنه؟ ها أنا كغيري من الأطفال ملزمون بروتين يومي قاتل من تعبئة المياه، وجمع الحطب، وإشعال النار، وغيرها من الأعمال الشاقة التي لا تليق بنا كأطفال".

وتقول "لم نعد أطفالا، بل أصبحنا عبارة عن روبوتات لها مهمة معينة تخلو من براءة الأطفال، كُتب علينا التعب والمشقة ونحن لا نزال في عمر الزهور".

إحصائيا، يأتي هذا العيد وقد بلغ عدد الشهداء من الأطفال وفقاً لإحصائية وزارة الصحة، أكثر من 16500 طفل في قطاع غزة، إلى جانب آلاف المفقودين تحت الركام.

وتتجدد الصور الإنسانية المؤلمة لعيد يغيب عنه الفرح، ويبقى فيه الأمل معلّقاً بعودة الحياة إلى طبيعتها، واستعادة الأطفال لأبسط حقوقهم في الأمان والفرح.