على غرار مراقبين إسرائيليين كثر، يبدي مستشار الأمن القومي السابق، مائير بن شبات، قلقا بالغا من أنها ستسدد أثمانا حقيقية في حال صدقت التقارير الإعلامية حول اتفاق وشيك بين واشنطن وطهران، لأنه يمنحها عجلة نجاة ووجبات أكسجين وفرصة لتعزيز قوتها وهيمنتها في المنطقة، داعيا للدفاع عن حقها بالدفاع عن النفس.
في مقال تنشره صحيفة “يسرائيل هيوم”، يستذكر بن شبات مقولة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد اغتيال قاسم سليماني في كانون الثاني/يناير 2020: “إن إيران لم تنتصر قط في حرب، لكنها أيضاً لم تخسر أي مفاوضات”.
ويضيف: “لم تكن تلك المرة الوحيدة التي عبّر ترامب فيها بهذه الطريقة خلال فصول المواجهة مع إيران، فإذا كانت التقارير الإعلامية تعكس بشكل فعلي تفاصيل الاتفاق الجاري التوصل إليه الآن، فيبدو أن التاريخ يعيد نفسه مرة أخرى، وأن الإيرانيين، حتى بعد الضربة القاسية التي تعرضوا لها، ينجحون في دفع واشنطن نحو صيغة تنقذ النظام”.
ويتساءل بن شبات أين تكمن المشكلات، وما يلبث أن يقول إنه قبل الخوض في التفاصيل، من المهم النظر إلى الصورة الأوسع: “سيمنح الاتفاق النظام المتطرف في طهران شرعية، وسيثبت أن “الحرس الثوري” قادر على النجاة رغم الضغوط الهائلة التي مارستها القوة العالمية العظمى”.
ونتيجة لذلك، برأي بن شبات، سيواصل النظام الإيراني بسط ظله المهدد على الشرق الأوسط، مع تعزيز قبضته على مضيق هرمز باعتباره أداة ضغط فعالة. كما يقول إن الموارد التي ستتدفق إلى النظام ستسمح له بإعادة بناء قدراته، والأهم من ذلك، بيع مواطنيه ما دفعهم إلى الشوارع أصلا: الأمل بتحسن اقتصادي. كذلك سيمنح الاتفاق النظام بوليصة تأمين ضد أي هجوم عسكري غربي أو إسرائيلي.
ويتابع: “حتى من دون ذلك، فبمجرد توقيع الاتفاق، لن يعود النظام يخشى واشنطن، لأن أي رئيس أمريكي لن يرغب في التورط بمواجهة مع إيران إذا كان هذا هو الشكل الذي انتهت إليه الحملة التي قادها أكثر الرؤساء تشددا تجاه طهران”.
وعلى مستوى التفاصيل، وفي الملف النووي، يرى بن شبات أن ممثلي ترامب سعوا لتحقيق إنجاز سريع يتمثل في فتح مضيق هرمز وتهدئة سوق الطاقة، والثمن الذي طلبه الإيرانيون في مقابل ذلك كان تأجيل قضايا البرنامج النووي إلى مرحلة لاحقة.
ويعتبر أنه حين تصبح أدوات الضغط أقل فاعلية، تصبح هيبة الرئيس الأمريكي رهينة في أيديهم. وفي مثل هذا الوضع، ستكون مقاربة إيران في المفاوضات النووية، حسب بن شبات، قائمة على أقل قدر ممكن من التنازلات في مقابل أكبر قدر ممكن من المكاسب.
ويقول إنه على غرار ما فعلت طهران سابقا، ستواصل المماطلة حتى آخر لحظة ممكنة، ولن تقدم أي موافقة إلا بعد انتزاع تنازلات إضافية.
ويرجح أن إيران لن تستفز الولايات المتحدة خلال ما تبقى من ولاية ترامب، أو تمنحه ذريعة لمهاجمتها، وستستغل هذه الفترة لإعادة تنظيم صفوفها من دون تجاوز التفاهمات، لكن بطريقة تتيح لها استئناف جهودها النووية فور انتهاء ولايته.
وطبقا لمزاعم بن شبات، ستساعد طهران على ذلك المعرفة والقدرات الإنتاجية التي ستبقى في حيازتها ضمن الاتفاق. ويدعي أيضا أن الحرب الحالية عززت في طهران الدافع إلى امتلاك سلاح نووي، بعد أن رأت أنه لا يوجد ما يمنع خصومها من مهاجمتها مجددا سوى امتلاك هذا السلاح.
برنامج الصواريخ
وهنا يحذر بن شبات من أنه إذا كانت التقارير الإعلامية صحيحة، فإن الاتفاق الجاري يتجاهل هذا التهديد بالكامل، فهو لا يفرض قيودا فعالة على مدى وعدد الصواريخ الباليستية البعيدة المدى، أو أنظمة الطائرات المسيّرة التي تهدد الشرق الأوسط وأوروبا مباشرة.
وعن ذلك يضيف: “صحيح أن المواجهة الحالية قلصت المخزون الإيراني وأضرت بقدرات الإنتاج، لكن في العصر التكنولوجي الحالي، وبشكل خاص في ظل العلاقات بين إيران والصين، فإن وتيرة إعادة البناء ستكون أسرع من السابق. وبعد فترة قصيرة، ربما تجد إسرائيل ودول الجوار نفسها، بل حتى أوروبا، أمام منظومة متطورة من الصواريخ الباليستية”.
التأثير في الساحة اللبنانية
كذلك يحذر بن شبات من أنه إذا صحت التقارير التي تفيد بأن اتفاق وقف الحرب سيشمل أيضا الساحة اللبنانية، فمن المتوقع أن يؤدي ذلك إلى تعزيز نفوذ إيران هناك.
ويقول إنه إذا أضيفت إلى ذلك الأموال التي ستتمكن إيران من تحويلها إلى حزب الله، فإن ذلك سيمنحه دفعة قوية وترقية في مكانته الإقليمية، بعد فترة صعبة مر بها منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2024.
التأثير في “حماس” والحوثيين
ويقول أيضا إن إنهاء الحرب، عبر مثل هذا الاتفاق، سيمنح “قوى الإسلام” المتشدد دفعة معنوية وإلهاما.
ويعتبر أن التفسير الذي ستتبناه هذه الجهات هو أن القوة العظمى التي تقود الحرب ضد الإسلام الراديكالي لم تنجح في فرض إرادتها. كما أن دول المنطقة ستستخلص استنتاجات مهمة بشأن علاقتها بالنظام الإيراني، فضلا عن تأثير ذلك في مشاعر الإيرانيين الذين ما زالوا ينتظرون الضوء الأخضر للخروج ضد النظام.
ماذا بعد؟
وفي التلخيص، يقول المسؤول الإسرائيلي السابق إن الاتفاق، حتى إذا تم، لا يلغي الإنجازات الكبيرة التي تحققت في الحرب ضد إيران، لا سيما إنجازات إسرائيل، لكن الشعور بالإخفاق يتعاظم بسبب الاعتقاد أن ميزان القوى كان يسمح بفرض نتائج أفضل كثيرا.
ويقول إن صورة المفاوضات لم تتضح بعد، وحتى إذا كانت التقارير الإعلامية دقيقة، فهذا ليس القرار النهائي، لأن هناك ملفات عديدة لا تزال مفتوحة، ويمكن للرئيس ترامب أن يستخدمها لتغيير مسار الاتفاق إذا أراد ذلك.
ويختتم بالقول: “في جميع الأحوال، يتعين على إسرائيل عرض مخاوفها بطريقة موضوعية وغير استفزازية، مع التأكيد أنها تحتفظ بحق الدفاع عن أمنها في مواجهة أي تهديدات متصاعدة، وأن حرية عملها العسكري يجب أن تبقى خارج أي اتفاق”.
