بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

فشل ذريع.. ترامب بـ”انسحاب فاخر” وإسرائيل بعجزها أمام “حزب الله”: هل انتصر هرمز؟

فشل ذريع.. ترامب بـ”انسحاب فاخر” وإسرائيل بعجزها أمام “حزب الله”: هل انتصر هرمز؟

إن الاتفاق المرتقب بين الولايات المتحدة وإيران في حال توقيعه سيمثل انسحاباً أمريكياً فاخراً من الخليج. أيضاً سيعكس تراجع نفوذ إسرائيل على سلوك ترامب. لم توقع بنود الاتفاق بعد، وما زالت تفاصيله غير معروفة بالكامل. ولكن في هذه المرحلة، يبدو أن أفضل السيناريوهات سيتحقق فيه ضبط كبير في المشروع النووي الإيراني من دون التطرق إلى المشكلات الأخرى المطروحة (الصواريخ البالستية ودعم المنظمات الإرهابية في الشرق الأوسط، وفي أكثر السيناريوهات طموحات إسقاط النظام في إيران). هذا يختلف كلياً عن وعود النصر التي أطلقها نتنياهو عندما أعلن الحرب.

في العام 2015 عندما وقعت إدارة أوباما الاتفاق النووي مع إيران وتعرضت لانتقادات واسعة، ألقى نتنياهو خطاباً نارياً في الكونغرس، متجاوزاً الأعراف المتعارف عليها بين الحكومات، وبعد ثلاث سنوات أقنع الرئيس ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي. كانت النتائج متفاوتة، وفي أفضل الحالات: لم تساعد سياسة “الضغط الاقتصادي” التي اتبعها الرئيس تجاه الإيرانيين في ردعها، وشرع النظام في مراكمة اليورانيوم المخصب حتى بلغ المخزون 440 كغم بمستوى 60 في المئة.

نجح نتنياهو في إقناع ترامب مرتين: الأولى عند إطلاق الحملة الأولى في إيران في حزيران الماضي (حيث أعطى الأمريكيون الضوء الأخضر وهاجموا المنشأة النووية تحت الأرض في فوردو)، وفي شباط الماضي (حيث كانت هذه المرة هجوماً شاملاً ومشتركاً). ولكن ربما كان النجاح الأخير؛ فقد اعتقد ترامب، لأسباب يصعب فهمها، بأن الحملة الحالية لن تدوم إلا بضعة أيام، ولم يستعد على الإطلاق لاحتمالية إغلاق مضيق هرمز. وعندما طالت الحملة، لا سيما عندما تبين أن إيران قادرة على تعطيل تصدير النفط من الخليج بشكل كامل، فقد الرئيس صوابه.

هذا ما شاهدناه في فترة الشهر ونصف الأخيرة، من تصميم إيراني، وتهديدات أمريكية فارغة، وأخيراً ما يظهر الآن أنه اتفاق وسط. في الخلفية، كان هناك دائماً احتمال أن يصمم النظام بشدة، ويدفع ترامب إلى الزاوية، ويتوصل في النهاية إلى استنتاج يفيد بأنه لا خيار أمامه إلا استئناف الهجوم العسكري. ولكن في ظل الانتقادات وتراجع شعبيته في الداخل، وعدم جدوى التحركات العسكرية، وتحفظ معظم الحلفاء في الخليج، يبدو أن الرئيس حسم أمره أخيراً.

لا شك أن الكثير من الإسرائيليين استقبلوا النبأ (الذي هو في الوقت الحالي نبأ غير مكتمل) بسرور أمس. فالشعب في إسرائيل متعب بعد أكثر من سنتين ونصف من الحرب المتقطعة، وأكثر من 2000 قتيل، ولم يرض أي أحد احتمال استئناف إطلاق النار في الوسط والجنوب، بينما يكاد إطلاق النار يكون متواصلاً في الشمال. ولكن مسألة مصير مخزون اليورانيوم وما سيحسم بشأن حق التخصيب في الأراضي الإيراني تعدّ مسالة حاسمة لأمن إسرائيل في المستقبل. وإذا تمكن ترامب من فرض اتفاق معقول في هذا الشأن، فسيكون لذلك أهمية كبيرة.

يبدو أن أموراً أخرى لم تتحقق. يتعامل ترامب مع الصواريخ البالستية كمشكلة إسرائيل، ولا يعطي أي اهتمام لـ “وكلاء” مثل حزب الله. أما عن استقرار النظام، فيتوقع التوصل إلى تسوية تدريجية بعشرات مليارات الدولارات ورفع العقوبات عن قطاع النفط، ما سيضخ ميزانيات كبيرة في الخزينة، وربما يفيد حماس وحزب الله أيضاً. ففي كانون الثاني الماضي وسط موجة الاحتجاجات الكبيرة، ظهر النظام وكأنه يترنح، لكن في الوقت الحالي، في ظل قمع وحشي ممارس، لا بادرة تذكر على تجدد الاحتجاجات.

ما يتم تقريره في الخليج سيؤثر أيضاً على ما يحدث في لبنان. إسرائيل، خلافاً لتصريحات القادة العلنية، تعجز عن التعامل مع حزب الله. يسبب إيقاع المسيرات المفخخة إصابات بين جنود الجيش الإسرائيلي كل يوم، بل وحتى قتلى كل بضعة أيام. استراتيجية إسرائيلية الحالية في لبنان، إذا وجدت أصلاً، انهارت في هذه المرة. يواصل حزب الله هجماته، وخلافاً للحملة السابقة في خريف 2024 هو لا يفكر أبداً في الاستسلام.

الخلاصة، نتنياهو بعيد جداً عن كل وعوده للشعب بشأن الحرب؛ فلا يمكنه انتقاد ترامب علناً فيما يتعلق بإيران، ويكتفي بتصريحات فاترة تحت غطاء مصادر سياسية لا تتجرأ على تحميل المسؤولية للإدارة الأمريكية. أما في لبنان وقطاع غزة، فإن إنجازات الجيش الإسرائيلي التكتيكية، التي كانت مثيرة للإعجاب في بعض النواحي، لم تترجم إلى واقع استراتيجي دائم ومحسن، وذلك بسبب خشية رئيس الحكومة من الظهور بمظهر المتصالح أو المسالم. ويظهر بوضوح غياب التغطية الإعلامية المقنعة. ويبدو أن مكتب رئيس الحكومة لم يصُغ بعدُ صفحة الرسائل المحدثة، وأن وسائل الإعلام مضطرة إلى التملص من التناقض الواضح لكل مشاهد ومستمع.

بشكل عام، فشل 7 أكتوبر الذريع ما زال يخيم على المشهد الإعلامي. فقد حدثت المذبحة نتيجة استغلال حماس لنقاط ضعف الجيش الإسرائيلي و”الشاباك”، لكن نتنياهو لا يمكنه التهرب من المسؤولية، وهو يعجز عن تفسير سبب استقالة أو إقالة معظم افراد المؤسسة الأمنية، بينما هو مصمم على التمسك بمنصبه إلى الأبد. ستكون الانتخابات القادمة آخر حملة لإعادة إحياء الذاكرة. سيحاول حزب الليكود وأحزاب الائتلاف إقناع الناخبين في عدم الخوض في أسباب المذبحة والمسؤولين عنها. ولحرف مسار النقاش، قد يكون من الضروري أيضاً اللجوء إلى قضية أمنية. تكمن صعوبة نتنياهو في حاجته إلى موافقة ترامب، الذي يحاول في الوقت نفسه احتواء التوتر في إيران ولبنان، وهو غير متأكد أبداً من موافقته على تصعيد جديد بمبادرة من إسرائيل في قطاع غزة.

عاموس هرئيل

هآرتس 25/5/2026