بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

العفو كاد يفجّر المجلس… وهذا ما فعله الياس بو صعب

العفو كاد يفجّر المجلس… وهذا ما فعله الياس بو صعب

تكشف كواليس ما جرى قبل جلسة اللجان النيابية الخاصة باقتراح قانون العفو العام، والتي أُرجئت يوم الإثنين، أن البلاد كانت أمام مشهد سياسي ـ أمني شديد الحساسية، كاد أن يتحول إلى مواجهة مباشرة داخل المجلس النيابي، ليس فقط بين القوى السياسية، بل أيضًا مع المؤسسة العسكرية.


وبحسب مصادر نيابية واكبت الاجتماعات والاتصالات التي سبقت الجلسة، فإن نائب رئيس مجلس النواب الياس بو صعب لعب دورًا أساسيًا في احتواء الانفجار السياسي الذي كان يتجه إليه ملف العفو، وفي حماية المؤسسة العسكرية من الانجرار إلى قلب الاشتباك السياسي والطائفي.


وتؤكد المصادر أن رئيس الجمهورية جوزيف عون كان حريصًا على مقاربة الملف ضمن الأطر الدستورية والتشريعية التي تحفظ الانتظام العام وتراعي الهواجس الأمنية والقضائية، إلا أن بعض المستشارين والنواب ومنهم اشرف ريفي وميشال معوض غير الملمين بتعقيدات الملف أوحوا بأن العقبات الأساسية قابلة للحل السريع، فيما كانت الخلافات أعمق بكثير مما جرى تصويره داخل كواليس بعبدا.


وتشير المعطيات إلى أن اللقاء النيابي الذي عُقد في بعبدا الأحد، والذي جرى تسويقه على أنه نجح في “تذليل العقبات”، انتهى عمليًا إلى نتيجة معاكسة، إذ ارتفع منسوب التباينات بدل أن يتراجع، حتى داخل الفريق النيابي الواحد، ولا سيما لدى عدد من النواب السنّة مقدّمي اقتراح القانون، الذين أبدوا انزعاجًا واضحًا مما طُرح خلال الاجتماع.


وبحسب المصادر، فإن اجتماع بعبدا ركّز بشكل أساسي على ملف الإسلاميين، فيما بقيت ملفات أكثر خطورة وتعقيدًا خارج المعالجة الفعلية، وفي مقدمها: المخدرات، العمالة، الحق الشخصي، والإدغام، وهي النقاط التي شكّلت أساس الاعتراضات السياسية والقضائية والأمنية على القانون.


والأهم، وفق المعطيات، أن الاجتماع لم ينجح حتى في حسم ملف الإسلاميين نفسه، ما كشف أن التسوية التي جرى الحديث عنها لم تكن ناضجة فعلًا، وأن الخلافات داخل المجلس وخارجه كانت لا تزال مفتوحة على احتمالات التصعيد.


وفي موازاة ذلك، حاولت بعض الأوساط تحميل الياس بو صعب مسؤولية تأجيل جلسة الإثنين، عبر الإيحاء بأنه ضخّم موقف المؤسسة العسكرية أو قدّم قراءة غير دقيقة لاعتراض الجيش على القانون.


إلا أن مصادر نيابية شاركت في جلسات اللجان المشتركة تؤكد أن موقف المؤسسة العسكرية كان واضحًا وصريحًا منذ البداية، حيث عبّر الضباط المشاركون بوضوح عن رفضهم للقانون بصيغته المطروحة، انطلاقًا من اعتبارات أمنية وقضائية مرتبطة بطبيعة بعض الجرائم المشمولة بالعفو.


وتضيف المصادر أن اعتراض الجيش “لم يكن بحاجة إلى من يفسّره أو يزايد عليه”، وأن بو صعب لم يكن في موقع من يحاول استخدام موقف المؤسسة العسكرية سياسيًا، بل على العكس، سعى إلى حمايتها من الانجرار إلى مواجهة سياسية مباشرة داخل المجلس.


وتكشف المعطيات أن الحملات التي استهدفت الضباط المشاركين في النقاشات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واتهامهم بالتدخل السياسي، رفعت منسوب التوتر بشكل كبير، وسط مخاوف جدية من تحوّل الجلسة إلى منصة لمهاجمة المؤسسة العسكرية والدخول في اشتباك مباشر معها.


ومن هنا، لعب بو صعب دورًا أساسيًا في الدفع نحو تأجيل الجلسة، ليس بهدف “تطيير” القانون كما حاول البعض الترويج، بل لمنع تفجّر الجلسة سياسيًا وطائفيًا، وإعطاء فرصة إضافية لمعالجة النقاط الخلافية العالقة قبل الوصول إلى مواجهة مفتوحة داخل المجلس.


وفي هذا السياق، تعتبر المصادر أن بو صعب كان من القلائل الذين حاولوا حماية إمكان الوصول إلى تسوية لاحقة، بعدما تبيّن أن اجتماع بعبدا ناقش عمليًا نقطة واحدة فقط من أصل خمس نقاط تفجيرية لا تزال من دون أي توافق.


أما التصعيد الذي صدر لاحقًا عن بعض النواب، ولا سيما من النائب أشرف ريفي، الذي قال إن “لا قانون عفو دون الشيخ أحمد الأسير”، فاعتبرته المصادر جزءًا من “المزايدات السياسية والشعبوية” التي ساهمت في رفع مستوى التوتر داخل المجلس، مع تأكيدها أن ريفي لم يكن يشارك بشكل كامل في اجتماعات اللجان المشتركة، ولو كان حريصًا على إنضاج التسوية لواكب كل مراحل النقاش بدل الاكتفاء بالمواقف التصعيدية في اللحظات الأخيرة.


في المقابل، أشادت المصادر بدور النائب نبيل بدر، الذي حاول تدوير الزوايا والبحث عن مخارج تمنع انهيار النقاش بالكامل، في وقت استمرت فيه الاتصالات حتى اللحظات الأخيرة قبل الجلسة، وسط مساعٍ شارك فيها رئيس مجلس النواب نبيه بري لمحاولة إيجاد تسوية.


وفي الخلاصة، تؤكد المصادر أن جلسة العفو لم تسقط فقط بسبب عقدة الإسلاميين، بل نتيجة شبكة كاملة من الملفات المتفجرة التي لم تُعالج أصلًا، من العمالة إلى المخدرات والحق الشخصي والإدغام، فيما نجح الياس بو صعب، وفق توصيف المصادر، في منع انتقال الخلاف من أزمة تشريعية إلى مواجهة سياسية مباشرة مع المؤسسة العسكرية تحت قبة البرلمان.