في وقت يواجه فيه لبنان واحدة من أعقد أزماته الاقتصادية والاجتماعية في تاريخه الحديث، يطفو على السطح تصنيف جديد يضعه ضمن “لائحة البؤس”، وهو توصيف لا يقتصر على أرقام الفقر والبطالة والتضخم، بل يعكس تراجعًا شاملًا في المؤشرات الاقتصادية والمعيشية، وانكماشًا حادًا في القدرة الشرائية وتدهورًا في الخدمات الأساسية.
هذا التصنيف، إذا ما ترسّخ دوليًا، لا يحمل فقط دلالة اقتصادية، بل ينعكس مباشرة على صورة لبنان كبلد كان يُعرف تاريخيًا بأنه وجهة سياحية وثقافية مميزة في المنطقة، وقبلة للزوار العرب والأجانب. فالسياحة، التي شكّلت أحد أعمدة الاقتصاد اللبناني، تعتمد بشكل أساسي على عنصر الثقة والاستقرار، وهما العاملان الأكثر تضررًا في ظل الأزمات المتتالية.
وعلى هذا الصعيد، قدّم رئيس تجمع الشركات اللبنانية والخبير الاقتصادي الدكتور باسم بواب قراءة مفصّلة للوضع الاقتصادي والاجتماعي في لبنان، مشيرًا إلى أنّ البلاد تعيش اليوم مرحلة شديدة التعقيد على مستوى الفقر والبطالة وسائر المؤشرات الاقتصادية، في ظل تضخم مرتفع تجاوز خلال هذا العام نسبة 30%، ما يعكس، بحسب تعبيره، حجم الاختلالات المتراكمة في البنية الاقتصادية.
وأوضح بواب، في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، أنّ المشهد الاقتصادي يتجه نحو مزيد من التدهور، لا سيما في ظل تراجع حجم المساعدات الخارجية التي كانت تصل إلى لبنان في الفترات السابقة، سواء من الدول العربية أو الأوروبية أو الخليجية أو حتى الأفريقية خلال الحرب الماضية، لافتًا إلى أنّ ما وصل خلال هذا العام لا يتجاوز 15% من حجم المساعدات المعتادة.
وأضاف أنّ الدولة اللبنانية باتت تعتمد بشكل متزايد على الاحتياطات المالية المتبقية لديها، بما في ذلك احتياطات مصرف لبنان من العملات الأجنبية، الأمر الذي أدى إلى تسجيل تراجع إضافي في هذه الاحتياطات بأكثر من 550 مليون دولار بعد فترة الحرب الأخيرة، في وقت تتواصل فيه الضغوط المالية والاقتصادية على مستوى الدولة والمؤسسات العامة والقطاع الخاص.
وأشار إلى أنّ كلفة الحرب الماضية على لبنان، سواء من حيث الأضرار المباشرة أو غير المباشرة، قُدّرت بما بين 13 و14 مليار دولار، في حين بلغت كلفة الحرب الأخيرة حتى اليوم نحو 10 مليارات دولار، ما يعني أنّ إجمالي الخسائر المتراكمة من الحربين يتجاوز 25 مليار دولار، مع الإشارة إلى أنّ هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم الدمار المادي، بل أيضًا التداعيات الاقتصادية الممتدة.
وفي ما يتعلق بملف البطالة، أوضح د. بواب أنّ النسبة الرسمية قبل الأزمة كانت تُقدّر ما بين 11 و12%، إلا أنّ الواقع الفعلي كان يشير إلى أنها تتجاوز 20% حتى قبل التدهور الأخير.
ولفت إلى أنّ نسب البطالة هذه في المدن الرئيسية مثل بيروت وطرابلس وصيدا وزحلة وشتورة، بينما تصل في المناطق الريفية إلى ما بين 40 و45%، خصوصًا بين فئة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و27 عامًا، أي الفئة التي تُصنّف ضمن الخريجين الجدد أو الداخلين حديثًا إلى سوق العمل، حيث تسجّل أعلى نسبة بطالة في لبنان.
وأضاف أنّ لبنان يشهد سنويًا تخرّج أكثر من 100 ألف طالب وطالبة من الجامعات في مختلف الاختصاصات، في مقابل قدرة سوق العمل على استيعاب ما بين 15 و20 ألف فرصة عمل فقط، لذلك ترتفع نسبة البطالة.
وتابع بواب أنّ الوضع لا يبدو مرشحًا للعودة إلى ما كان عليه قبل عام 2019، معتبرًا أنّ أحد العوامل الأساسية التي كانت تدعم الاقتصاد اللبناني هو دور المغتربين وتحويلاتهم، إلا أنّ هذا العامل بات بدوره أقل فاعلية في المرحلة الراهنة نتيجة تراجع أوضاع الكثير من اللبنانيين في دول الاغتراب، سواء في المنطقة أو خارجها، ما حدّ من قدرتهم على الاستمرار في تقديم مستويات الدعم السابقة.
وأشار إلى أنّ الاعتماد على تحويلات المغتربين سيبقى قائمًا، لكنه لن يكون كافيًا وحده لإعادة تحريك العجلة الاقتصادية بالشكل المطلوب، في حال لم يُرافقه حل سياسي واقتصادي شامل يعيد الثقة بالبلد وبمؤسساته.
وختم بالتأكيد على أنّ أي عملية إنقاذ حقيقية للاقتصاد اللبناني تتطلب تدفّقًا كبيرًا في الاستثمارات والدعم الخارجي من مختلف الدول، من الولايات المتحدة إلى اليابان والدول الخليجية، معتبرًا أنّ لبنان بحاجة إلى ما لا يقل عن 20 إلى 25 مليار دولار على الأقل لضخّها في النظام الاقتصادي، بهدف إعادة تفعيل الدورة الاقتصادية، وتحريك القطاعات الإنتاجية، وإعادة البلاد تدريجيًا إلى مسار التعافي والنمو.
