بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

آثار لبنان في خطر.. إسرائيل تهاجم البشر والحجر

آثار لبنان في خطر.. إسرائيل تهاجم البشر والحجر

صور: تتزايد المخاوف على التراث الإنساني في لبنان، بعد أن طالت غارات إسرائيلية مواقع قريبة من المعالم الأثرية في مدينة صور، المدرجة على قائمة التراث العالمي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “يونسكو”.

وأسفرت إحدى الضربات عن سقوط ضحايا من المدنيين وتدمير منزل داخل منطقة تاريخية محمية، ما أدى إلى أضرار مباشرة وغير مباشرة طالت مواقع أثرية.

وتأتي هذه الاعتداءات رغم منح عشرات المواقع في لبنان “حماية معززة مؤقتة”، وفق اتفاقيات دولية تحظر استهدافها، في وقت تتصاعد فيه التحذيرات من تهديد غير مسبوق يستهدف إرثًا حضاريًا يمتد لآلاف السنين.

وفي السادس من مارس/ آذار الماضي شنّت إسرائيل غارة على بعد أمتار قليلة من موقع أثري في صور جنوبي لبنان، ما أودى وفق السلطات إلى استشهاد ثمانية أشخاص من عائلة، بعدما تحوّل منزلها إلى كومةً من الركام.

وتُعد مدينة صور التي تمتد جذورها لآلاف السنين واحتضنت حضارات متعددة من الفينيقيين إلى الرومان والبيزنطيين، من أبرز المدن التاريخية في لبنان وهي مدرجة على قائمة التراث العالمي التابعة لليونسكو منذ عام 1984.

وازدهرت صور كمركز فينيقي تجاري وبحري بارز قبل أن تتعاقب عليها حضارات عدة (فينيقية، هلنستية، رومانية، بيزنطية، صليبية وإسلامية).

وفي 2 أبريل/ نيسان الجاري أعلنت اليونسكو منح 39 موقعا ثقافياً في لبنان حماية معززة مؤقتة، استجابةً لطلب رسمي تقدّم به لبنان، في خطوة تعكس تصاعد القلق الدولي على سلامة التراث الثقافي في البلاد.

ومن بين هذه المواقع، تضم القائمة معالم أثرية في بعلبك شرقي لبنان وصور، إلى جانب المتحف الوطني في بيروت وموقع جبيل الأثري.

وموقع بعلبك الأثري يضم مجمعًا من المعابد الرومانية الضخمة، ويُعد من أبرز الأمثلة على العمارة الرومانية الإمبراطورية.

أما المتحف الوطني في بيروت فهو أهم متحف أثري في لبنان، ويضم مجموعة كبيرة من القطع الأثرية (حوالي 100,000 قطعة، معروض منها حوالي 1,300)، توثق تاريخ المنطقة عبر عصور متعددة من العصر الحجري ما قبل التاريخ حتى العصور الإسلامية والمملوكية.

فيما تعد مدينة جبيل الأثرية من أقدم المدن المأهولة باستمرار في العالم وتعود إلى حوالي 8000 عام، وارتبطت بالحضارة الفينيقية وتطور الأبجدية.

وتخضع هذه المواقع لأعلى مستويات الحماية القانونية، بما يحظر استهدافها أو استخدامها لأغراض عسكرية، وفقاً لاتفاقية لاهاي 1954 التي تؤكد على أهمية حماية الممتلكات الثقافية خلال النزاعات المسلحة.

وفي موقع البص الأثري شمالي صور، أدى استهداف منزل من قبل الجيش الإسرائيلي في مارس الماضي، إلى تدمير قطع أثرية كانت استُخرجت من باطن الأرض، كما تسببت شظايا متطايرة من المنزل المستهدف بإلحاق أضرار طفيفة بمنشأة تعود إلى الحقبة البيزنطية.

في حينها، ندد وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة “باستهداف العدوان الإسرائيلي للموروث الثقافي والحضاري” في البلاد.

ويُعد موقع البص من أبرز المواقع الأثرية في صور ويقع عند المدخل الشرقي للمدينة ويضم بقايا رومانية وبيزنطية تشمل شارعًا معمدًا واسعًا، ومدافن أثرية، وقناة مائية، وغيرها من المنشآت، ويعتبر من أبرز المواقع التي تعكس التخطيط العمراني والدخول الرئيسي للمدينة في الحقبة الرومانية.

تاريخ يمتد لآلاف السنين

وقال نائب رئيس بلدية صور، علوان شرف الدين، إن صور مدينة ضاربة في عمق التاريخ، إذ يتجاوز عمرها 5 آلاف سنة، وقد احتضنت حضارات عدة، من بينها اليونانية والرومانية والفينيقية.

وأضاف أن المدينة ومواقعها الأثرية مدرجة على قائمة التراث العالمي منذ ثمانينات القرن الماضي، لكنها تعرضت منذ عام 1982 وحتى اليوم لأبشع الاعتداءات الإسرائيلية.

وأشار شرف الدين إلى أن “عدة مبانٍ استُهدفت بالقرب من الموقع الأثري (البص)، ما أدى إلى تضرر المعالم التاريخية نتيجة الهجمات الصهيونية”.

وأوضح أن موقع البص يضم معالم من الحقبة الرومانية، مثل ميدان سباق الخيل (الهيبودروم) وقوس النصر، مؤكدًا أن “المواقع الأثرية في صور تُعد من الأكبر في لبنان، وهي ليست مجرد حجارة، بل تمثل إرثًا ثقافيًا ورمزًا حضاريًا”.

و”ميدان سباق الخيل” يعود إلى القرن الثاني الميلادي، وكان مخصصًا لسباقات العربات والفعاليات العامة، ويُعد واحدًا من أكبر وأفضل الصروح من نوعه في العالم الروماني بطول نحو 480 مترًا وعرض 90 مترًا، وكان يتسع لنحو 20-30 ألف متفرج.

أما “قوس النصر” فهو بوابة حجرية تعود إلى العصر الروماني بالقرن الثاني الميلادي، وترتبط غالبًا بفترة الإمبراطور هادريان، وكانت تُستخدم كمدخل احتفالي رئيسي للمدينة، ويتميز بتصميم معماري كلاسيكي روماني.

سرقة الآثار

ولفت شرف الدين إلى أن إسرائيل قامت خلال احتلالها جنوبي لبنان بين عامي 1982 و1985 بسرقة آثار من مدينة صور ومحيطها، قائلًا: “تم نقل توابيت حجرية وسرقة ما فيها من ذهب، كما جرت حفريات ونُقلت آثار إلى داخل إسرائيل”.

وأضاف أن “هناك محاولة لطمس هوية لبنان وجنوبه، ويتجلى ذلك في الهجوم على قلعة شمع، حيث ادعى عالم إسرائيلي وجود مقام يعود لإسرائيل في الموقع، وهو ادعاء باطل”.

وأشار إلى أن قلعة شمع تعرضت أيضًا للاستهداف خلال الهجمات الإسرائيلية الممتدة بين تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وتشرين الثاني/ نوفمبر 2024، ما أدى إلى تضررها.

وأكد أن “إسرائيل تستهدف الإنسان والحجر، وتسعى لتدمير الإرث الثقافي والحضاري”.

و”قلعة شمع” تطل على السهل الساحلي المحيط بمدينة صور، وتعود أصولها إلى فترات مختلفة، بدءًا من العصور الوسطى (بناء صليبي في القرن الثاني عشر)، مع إعادة استخدام وتحصين في العصور اللاحقة، واستخدمت لأغراض دفاعية نظرًا لموقعها الاستراتيجي.

وانتقد شرف الدين عدم فاعلية النداءات الدولية، قائلًا: “رغم عدم جدواها منذ عقود، نواصل توجيه النداءات إلى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية للتدخل العاجل ووقف هذه الهجمات”.

وأضاف: “نحن حاليًا في فترة وقف إطلاق نار، لكن من المحتمل أن تستأنف الهجمات”.

تجاهل القانون الدولي

وأشار شرف الدين إلى أن نحو 17 ألف نازح وصلوا مدينة صور نتيجة الهجمات، مضيفًا أن “الهجمات استمرت حتى اللحظات الأخيرة قبل دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ (في 17 أبريل)، حيث استُهدف أحد الأحياء قبل ثلاث دقائق فقط، ما أدى إلى تدمير 6 مبانٍ”.

وأوضح أن المنطقة المستهدفة كان فيها نحو 100 شخص، وأسفر الهجوم عن مقتل 23 شخصًا وإصابة 75 آخرين، فيما استمرت عمليات البحث والإنقاذ لأكثر من 5 أيام.

وقال: “نعلم أن إسرائيل لا تكترث بحقوق الإنسان ولا بحياة المدنيين، ولا بالقرارات الدولية التي تحمي التراث الإنساني الممتد عبر العصور”.

وفي 2 مارس بدأت إسرائيل عدوانا على لبنان، خلّف 2496 شهيدا و7 آلاف و725 جريحا وأكثر من 1.6 مليون نازح، أي خُمس سكان البلد، بالإضافة إلى دمار واسع، حسب أحدث معطيات رسمية.

وتتواصل خروقات إسرائيل لوقف إطلاق النار المؤقت في لبنان، الذي بدأ في 17 أبريل.

(الأناضول)