بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

وفاة 3 معتقلين في سجن مصري بسبب الإهمال الطبي

وفاة 3 معتقلين في سجن مصري بسبب الإهمال الطبي

القاهرة ـ «القدس العربي»: توفي 3 معتقلين مصريين بسبب الإهمال الطبي في سجن بدر، حسب ما كشفت رسالة مسربة من سجناء، استعرضت معاناة الضحايا قبل أن يلفظوا أنفاسهم.

كارثة محدقة

وقال المحتجزون في رسالتهم، التي تلقاها مركز «الشهاب لحقوق الإنسان»، إنهم يضعون أمام كل حر في العالم ومنظمات حقوق الإنسان والهيئات المحلية والدولية، التفاصيل الكاملة لوفاة 3 معتقلين خلال ثلاثة أشهر فقط، الأمر الذي ينذر بكارثة محدقة.

وتناولت الرسالة حالة إسلام محمود عبد الفتاح، الذي جرى اعتقاله في 7 مارس/ آذار 2022، وامتدت رحلة معاناته لمدة عام، من يناير/ كانون الثاني وحتى ديسمبر/ كانون الأول 2025.

وحسب الرسالة، الضحية تعرّض للاختفاء القسري لمدة 3 أشهر، ثم الحبس داخل سجن بدر 3، وأصيب بالمرض بعد دخوله هناك بعدة أشهر، وتردد على عيادة السجن دون جدوى، ولما اشتد عليه المرض تم تشخيص حالته كمريض «درن»، اعتمد الطبيب في التشخيص على سماع شكوى الضحية فقط دون إخضاعه لأي فحوصات مباشرة من الطبيب فضلا عن إجراء التحاليل والأشعات اللازمة.

وقرر الطبيب بدء العلاج على هذا الأساس وتم إرسال الضحية إلى مستشفى الصدر في العباسية ليمكث فيها بضعة أشهر ليتلقى علاج مرض الدرن؛ وعندما لم تتحسن حالته أُعيد إلى محبسه من جديد لتسوء حالته أكثر، وتبرز علامات ظاهرية تشير إلى أنه يعاني من تورّم في الرئة، وأن الورم استفحل، ليبدأ إسلام رحلة معاناة أشد قسوة اجتمع عليه فيها المرض مع صعوبة الحصول على العلاج فحاول الحصول على موافقة للعلاج على نفقة الدولة لكن مسعاه قوبل بالرفض، فتقدم بطلبات للعلاج على نفقته الخاصة وقُبلت هي الأخرى بالرفض، وفق الرسالة.

وبمرور الوقت دون علاج ازدادت الحالة سوءا ووصلت بؤرة الورم إلى 13 سنتيمترا، ثم ظهرت بؤرة ورم جديدة على الكبد بحجم 1 سنتميتر، ومرت خمسة أشهر والمرض يعبث بجسد الضحية حتى بدأ مرحلة العلاج الكيميائي في معهد الأورام، والتي من المفترض أن تكون جرعة أسبوعيا.

وبالفعل خضع إسلام لأول جرعة، وفي الأسبوع التالي عندما جاء موعد الجرعة الثانية لم تحضر سيارة الترحيلات لنقله إلى معهد الأورام، فطلب من إدارة المركز الطبي في السجن نقله في سيارة الإسعاف الخاصة بالمركز، لكن طلبه قوبل بالرفض وفاته الموعد، ليظل الضحية رهن الانتظار حتى يرسله المركز الطبي في بدر من جديد إلى معهد الأورام لتحديد موعد آخر، وبعد طول انتظار ومعاناة تمكن من الذهاب إلى معهد الأورام ليخبره الطبيب بأن حجم البؤرة بلغ 17 سنتيمترا، وأن العلاج الكيميائي لم يعد يجدي ويجب الخضوع للعلاج الإشعاعي بواقع 3 جلسات متتالية خلال ثلاثة أيام دون انقطاع.

وبالفعل خضع لجلسة الإشعاع الأولى، وأُعيد في اليوم ذاته إلى المركز في بدر على أمل الذهاب في صباح اليوم التالي إلى معهد الأورام، ولكن سيارة الترحيلات لم تحضر، ورغم علم الأطباء في المركز الطبي ببروتوكول العلاج ولزوم ذهاب إسلام لتلقي جلسة الإشعاع الثانية، رفضت إدارة المركز مجدداً نقله بسيارة الإسعاف، ليمكث أياماً من دون علاج.

وتمكن بعدها من الذهاب إلى معهد الأورام ليقرر الطبيب المعالج تغيير بروتوكول العلاج ليكون 3 جرعات إشعاعية متتالة في ثلاثة أيام متتالية كل 21 يوماً، وهو الأمر الذي استحال على الضحية ضبطه بين إدارة المركز الطبي وإدارة الترحيلات، حتى ساءت حالته أكثر وبدأ في القيء الدموي والسعال المستمرين مع عدم التمكن من النوم بسبب شدة الألم، كما أصيب بقرحة الفراش جراء فقدان القدرة على الحركة، وصار التنفس بصعوبة شديدة بعد تفشي الورم في الرئة والكبد والضغط على القلب، وتورمت ساقاه ونقص وزنه بشدة حتى صار هيكلا عظميا.وصدر قرار بنقله للحجز في معهد الأورام، وهو القرار الذي سعى إليه الضحية على مدار عام كامل من المعاناة وتدهور حالته الصحية، إلا أن القدر أبى ألا تكتمل فصول المأساة بنهاية لا تقل مأساوية، فلفظ الضحية أنفاسه الأخيرة داخل المركز الطبي في بدر وقبل تنفيذ قرار نقله إلى معهد الأورام.

الضحية الثانية، حسب الرسالة المسربة، هو علاء محمد العزب، أخصائي علاج طبي وأستاذ في كلية الطب جامعة عين شمس وبرلماني سابق، معتقل منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2022. وقد تعرض للاختفاء القسري لمدة شهرين قبل أن يعرض على نيابة أمن الدولة العليا التي قررت حبسه.

وبعد إيداعه السجن بفترة بدأ يشعر بتدهور في وضعه الصحي، وظل يتردد على عيادة السجن على فترات متباعدة لم يتم خلالها تحديد طبيعة مرضه، حتى تم نقله إلى المركز الطبي في سجن بدر الذي قرر إرساله إلى مستشفى المنيا الجامعي، وهناك اتضح أنه يعاني من ورم خبيث في البنكرياس وفي حالة متأخرة.

عاد بعدها للحجز مجددا إلى المركز الطبي في بدر لمدة شهرين تلقى خلالها جرعة علاج واحدة بمعهد الأورام، لكن القدر كان أسرع من سيارة الترحيلات أو توقيع قرار الحجز في معهد الأورام، لتوافيه المنية في 30 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.

الحالة الثالثة التي تناولتها الرسالة للمعتقل عطا يوسف عبد اللطيف محمد، أستاذ الفيزياء في كلية العلوم جامعة أسيوط، جرى اعتقاله في أغسطس/ آب 2022.

وحسب الرسالة، الضحية مريض بالقلب وقام بتركيب دعامات في شرايين القلب قبل اعتقاله، وظل يتردد على عيادة السحن ومنها إلى المركز الطبي دون الوقوف على سبب تدهور حالته الصحية، ومع تفاقم الحالة تم نقله للحجز في المركز الطبي اواخر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، حيث أظهرت التحاليل وجود نقص كبير ومفاجئ في نسبة الهيموغلوبين بالدم، ليتبين بعدها أنه يعاني من ورم خبيث في المعدة والإثني عشر.

وعلى الرغم من خطورة وضعه الصحي تمت إعادته إلى محبسه في السجن بدعوى عدم وجود عدد أسرّة كاف. ومع شدة تدهور حالته الصحية تم إرساله إلى مستشفى القصر العيني، لكن بعد فوات الأوان، حيث وافته المنية في 26 ديسمبر/ كانون الأول الماضي.

ووفق الرسالة، تم اكتشاف حالات أخرى تعاني أيضا من المرض نفسه وخلال الفترة ذاتها منها حالة المعتقل أسامة محمد العراقي (27 سنة)، والذي تم اكتشاف إصابته منذ أكثر من 6 أشهر لكنه لم يتلق أي علاج حتى الآن، وكذلك حالة المعتقل أسامة ماهر (31 سنة) وهو أيضا لم يتلق أي علاج حتى الآن.

وأكد المعتقلون أنهم جميعا ينتظرون المصير نفسه، بسبب ضعف المناعة لدى أغلبهم نتيجة سوء التغذية، وحالة الاكتئاب التي تسيطر على عدد كبير في ظل الحرمان من رؤية الأهل والأولاد لسنوات، وبسبب عدم الحركة وقلة التعرض للشمس وسوء التهوية، واستخدام أدوات معيشة غير صحية لفترات طويلة، ومن المفترض استخدامها لمرة واحدة.

كما تناولت الرسالة كيف يتم تأخر التعاطي الصحيح مع المرض، سيما وأن الطبيب في عيادات المركز الطبي ممارس عام ويكتفي بإعطاء المسكنات، وتعليق تحويل المريض إلى المركز الطبي أو المستشفيات المختصة على موافقة الأمن الوطني، مع عدم توفر الإمكانات داخل عيادات مركز التأهيل أو المركز الطبي من تحاليل وأشعة وسونار، والتدوير المستمر رغم قضاء مدد الحبس بغض النظر عن طبيعة الاتهامات أو سير المحاكمات، وبالتالي استمرار الحبس لسنوات طويلة.

وحمّل مركز الشهاب النائب العام المسؤولية الكاملة عما وصلت إليه الأحوال داخل السجون المصرية بصفة عامة وداخل سجن بدر 3 بصفة خاصة بسبب تقاعس النيابة عن التحقيق في مئات الشكاوى والبلاغات التي وصلت إليهم بخصوص الانتهاكات داخل السجن.

سجن بدر

مثّل سجن بدر في مصر أحد أبرز السجون التي تسببت في توجيه انتقادات حقوقية واسعة للسلطات المصرية خلال الآونة الأخيرة، في ظل تصاعد إضرابات كشفت عنها خطابات مسربة من معتقلين وشكاوى أسرهم.

بدأت حكاية سجن بدر كواحد من عدة سجون أعلنت السلطات إنشاءها قبل 5 سنوات، ضمن خطة لإنشاء 7 أو 8 مجمعات سجون تحاكي السجون الأمريكية وتتلافى أزمات السجون السابقة.

وعلى مدار الأعوام الثلاثة الماضية، انتشرت أخبار ورسائل مسربة ومُجهولة منسوبة لمحتجزين في مجمع بدر الأمني تفيد بوقوع إضرابات وحتى محاولات انتحار احتجاجا على أوضاع احتجازهم، أو بسبب وجودهم في السجن من الأصل، إذ يُحتجز في السجن أفراد طال حبسهم احتياطيا لسنوات دون إدانة أو محاكمة، بينما لا تتعاطى وزارة الداخلية مع هذه الأخبار سوى بإنكارها، دون الإعلان عن تحقيق واحد في أي من هذه المزاعم. ويعد الإهمال الطبي في السجون أحد أبرز الانتقادات التي تواجهها السلطات المصرية من منظمات حقوقية، ولقي 54 معتقلا مصرعهم في أماكن الاحتجاز المصرية خلال العام الماضي، وتنوعت أسباب وفاتهم بين الإهمال الطبي المتعمد، والتعذيب الوحشي، حسب منظمة «هيومن رايتس إيجيبت».