بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

فورين أفيرز: كيف غيّرت إيران مفهوم الحرب؟ دروس من استخدام طهران للأسلحة الدقيقة الرخيصة

فورين أفيرز: كيف غيّرت إيران مفهوم الحرب؟ دروس من استخدام طهران للأسلحة الدقيقة الرخيصة

لندن ـ “القدس العربي”: نشرت مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية مقالا بعنوان “كيف غيّرت إيران مفهوم الحرب؟ دروس من استخدام طهران للأسلحة الدقيقة” للباحث والمسؤول الأمريكي السابق في وزارة الدفاع الأمريكية مايكل سي. هورويتز، أكد فيه أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران كشفت تحولا عميقا في طبيعة الحروب الحديثة، عنوانه بروز ما يسميه الخبير “الكتلة الدقيقة”، أي الاستخدام الكثيف لأسلحة رخيصة نسبيا وقادرة على إصابة أهدافها بدقة.

وشدد هورويتز، الذي شغل سابقا منصب نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي، على أن أمريكا وإسرائيل قصفتا آلاف الأهداف في إيران، ومع ذلك، بقي النظام الإيراني قائما بعد أكثر من 6 أشهر، وتمكن من الرد وإغلاق مضيق هرمز، مما رفع أسعار الطاقة وهو ما منحه نفوذا سياسيا إضافيا.

أمريكا وإسرائيل قصفتا آلاف الأهداف في إيران، ومع ذلك، بقي النظام الإيراني قائما بعد أكثر من 6 أشهر، وتمكن من الرد وإغلاق مضيق هرمز

هورويتز الذي يشغل منصب أستاذ كرسي “ريتشارد بيري” ومدير مركز “بيري وورلد هاوس” في جامعة بنسلفانيا، يرجع قدرة طهران على الصمود إلى استعداداتها الطويلة لحرب محتملة، وقدرتها على إعادة تشكيل القيادة، وتأمين واردات تمنع انهيار الاقتصاد، والأهم امتلاكها ترسانة واسعة من المسيّرات والصواريخ الرخيصة والدقيقة. ويعتبر أن هذه الأسلحة سمحت لإيران بإلحاق أضرار بالقواعد الأمريكية والبنية التحتية الإقليمية وفرض كلفة مرتفعة على الدفاع عنها.

الخبير الذي يعمل زميلاً أول متخصصاً في تكنولوجيا الدفاع والابتكار لدى مجلس العلاقات الخارجية، يعتبر أن المعادلة الجديدة تقلب افتراضات التفوق العسكري التقليدي؛ فالهجوم بات أرخص من الدفاع. فمسيّرة “شاهد-136” الإيرانية التي تكلف نحو 35 ألف دولار يمكن أن تواجه بصاروخ باتريوت أمريكي يبلغ سعره نحو 4 ملايين دولار. ولذلك يصعب على الجيوش مواصلة اعتراض أسراب من الأسلحة الرخيصة باستخدام منظومات باهظة.

التفوق التكنولوجي لا يكفي… نهاية احتكار القوة

الكاتب وهو مؤلف كتاب “انتشار القوة العسكرية: الأسباب والتبعات على السياسة الدولية”، والمشارك في تأليف كتاب “لماذا يخوض القادة الحروب” يشير إلى أن أمريكا ما تزال متفوقة في بعض المجالات، خصوصا الذكاء الاصطناعي ومعالجة المعلومات وتحديد الأهداف، لكن هورويتز يحذر من أخطاء البيانات ومن خطر الاعتماد المفرط على الخوارزميات. كما يرى أن المشكلة الأمريكية الأساسية لم تعد سرعة معالجة المعلومات، بل حجم مخزونات الأسلحة.

ويؤكد الباحث أن التفوق التكنولوجي وحده لا يكفي إذا كانت الجيوش غير قادرة على تغيير هياكلها التنظيمية. فالولايات المتحدة تعتمد بدرجة كبيرة على أسلحة ومنصات باهظة مثل صواريخ توماهوك ومقاتلات إف-35، بينما تتطلب “الكتلة الدقيقة” إنتاج أعداد ضخمة من أنظمة منخفضة التكلفة، وتدريبا مختلفا، وسرعة أكبر في الاستخدام.

ويعتبر هورويتز أن إيران أثبتت أن الدول الأضعف لم تعد مستبعدة من سباق القوة العسكرية. فشبكاتها الصاروخية تحت الأرض ومنشآتها الموزعة صعّبت تدمير قدراتها بالكامل، في حين اضطرت واشنطن إلى استهلاك كميات كبيرة من صواريخها المكلفة، ما ضغط على مخزوناتها المخصصة لردع خصوم آخرين، مثل الصين.

النموذج الإيراني وسباق السلاح الرخيص

ويضيف أن دولا عديدة بدأت بالفعل تتبنى الدرس الإيراني. فكوريا الشمالية تطور مسيّرات رخيصة، وبولندا رفعت إنفاقها على المسيّرات ومضاداتها، بينما تعمل دول أوروبية وآسيوية على توسيع قدراتها الهجومية غير المأهولة.

وفي المقابل، يحذر الكاتب من فجوة متزايدة بين تكلفة الهجوم والدفاع. فالولايات المتحدة استهلكت نسبة كبيرة من صواريخ باتريوت وثاد خلال الحرب، في وقت لا تزال فيه البدائل الأرخص، مثل أسلحة الطاقة الموجهة والمسيّرات الاعتراضية، غير جاهزة للتوسع على نطاق كبير.

ويشدد على أن انتشار هذه التكنولوجيا سيجعل موازين القوة أقل ارتباطا بالثروة وحدها، لأن الدول تستطيع إنتاج كميات كبيرة من الأسلحة الدقيقة بتكاليف محدودة. ويرى أن نجاح واشنطن سيتوقف على سرعة التكيف، لا على امتلاك أفضل سلاح.

ويخلص هورويتز إلى أن عصر “الكتلة الدقيقة” قد بدأ، وأن على واشنطن الاستثمار في أسلحة هجومية رخيصة ودفاعات منخفضة التكلفة، إلى جانب إعادة تنظيم قواتها لتوظيف هذه القدرات. وبرأيه، فإن استمرار الاعتماد على منظومات باهظة ومحدودة العدد قد لا يكون كافيا للحفاظ على التفوق العسكري الأمريكي في الحروب المقبلة.