بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

حرائق حوض المتوسط 2026: عواصف النار ووهم طائرات الإخماد والعودة للرعي التقليدي

حرائق حوض المتوسط 2026: عواصف النار ووهم طائرات الإخماد والعودة للرعي التقليدي

يستعر الجدل في منصات التواصل الاجتماعي هذه الصائفة، وتحديدا في الدول الجنوبية لحوض البحر الأبيض المتوسط، حول أعداد الطائرات التي تملكها العواصم، ودورها في إخماد الحرائق التي تشهدها المنطقة، في حين يتحول النقاش شمال الضفة لأبعاد أخرى، وتتجه الأنظار للسياسات الحكومية الشاملة حول سياسة الوقاية من حزام النار الذي يدخل ما يصفه العلماء بالجيل السادس.

وأمام هذا الجدل الذي تخلفه ألسنة النيران، تؤكد دراسات صادرة من مراكز أبحاث أوروبية على ضرورة التعامل مع الأزمة من جذورها، ومع تصاعد الدعوات للعودة لنمط الرعي التقليدي والاهتمام بالأرياف المهجورة، وتفقد القرى المنسية.

ويعيش حوض البحر الأبيض المتوسط منذ سنوات، تحولاً نمطياً غير مسبوق في تاريخه الحديث. لم تعد المشكلة تكمن في عدد البؤر أو الحرائق ومساحاتها التي تشتعل كل صيف، بل في طبيعة الطقس الناري المهيب الذي تتولد رياحه وصواعقه تلقائيا، متجاوزاً أحدث ما أنتجته تقنيات الإغلاق المباشر أو التطويق المعروفة. وتطرح تساؤلات عميقة عن سر ظاهرة تحول غابات المتوسط وأحراشه إلى حاضنة لمثل هذه الكوارث المركبة؟ ولماذا باتت مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية تدعو صراحة لإسقاط «ثقافة الإخماد المطلق» والعودة إلى الجانب التقليدي، أي الأرض والأرياف قبل فوات الأوان؟

هذا التحقيق الذي تنشره «القدس العربي»، يعيد رسم خريطة الحرائق في ضفتي المتوسط؛ من الأرقام القياسية الشاذة لـ 2026 وفيزياء «عواصف النار» الذاتية، وصولاً إلى الأسباب غير المرئية التي تجعل الوقاية في الريف أكثر فاعلية بعشرات الأضعاف من أساطيل الإطفاء الجوي.

الجدل حول طائرات الإطفاء

رصدت «القدس العربي» عشرات الدراسات والمقالات العلمية، والأبحاث التي نشرتها مراكز الدراسات المتخصصة، التي تحلل ما تعيشه المنطقة، التي تصدرت أخبارها شاشات الأخبار العالمية، وتحولت لتراند واسع في مختلف منصات التواصل الاجتماعي.

وأثناء الاطلاع على تلك الدراسات وقفنا على ملاحظة في غاية الأهمية بدأت تسترعي انتباه صناع القرار، وهنا في العاصمة الإسبانية مدريد بدأت تتوسع النقاشات حولها.

يعود الخبراء إلى ما رصدوه من ظاهرة انتشرت على مدى نصف القرن الحالي، مع توالي موجات النزوح الهادئ لسكان الأرياف والقرى الجبلية في جنوب أوروبا وشمال أفريقيا، حيث كانت تقرأه الدراسات ضمن إطاره في سياق التحول الاجتماعي والاقتصادي الروتيني، أي نحو الحداثة والتمدن في مختلف المدن. لكن ما جرى من رعب صيف 2026، فتح الأعين، نحو التحديات الكبرى التي تشهدها دول البحر الأبيض المتوسط التي تتكبد فاتورة قاسية بسبب ما كان يربط دوما بالتغير المناخي، لكن خلف هذا التعميم تكمن حقائق أخرى، تتعلق بالتحولات الكاملة لهذا الهجران، وتخلي الإنسان عن الأرض وتوقف الرعي التقليدي، حيث أدركت الأوساط المتابعة، مأزق غياب الفواصل الحيوية التي كانت تكسر زحف النيران إلى شبكة متصلة وممتدة من الأحراش والوقود الجاف الجاهز للانفجار عند أول شرارة.

رعب نيران حرائق المتوسط

كل سنة تتحدث وسائل الإعلام عن صيف حار وحارق، وإجماع على أن حوض البحر الأبيض المتوسط يواجه تحديات عصية، خصوصا منذ حزيران/يونيو 2026 واعتبر من أعنف مواسمه الحرارية المسجّلة، متجاوزًا الذرى القياسية السابقة لعامي 2003 و2025. وكسر حزيران/يونيو 2026 الأرقام القياسية في عدد من الدول، وخصوصا فرنسا بتجاوز درجات الحرارة عتبة الـ 40 درجة مئوية في ما يعادل أو يقترب من نصف مساحة البلاد. وحسب شبكة الرصد الصحي الأوروبية «يوروموم»، المدعومة من المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض والسيطرة عليها، ومنظمة الصحة العالمية، سجّلت أوروبا أكثر من 10.000 حالة وفاة خلال أسبوع الذروة الحراري وحده (22–28 حزيران/يونيو)، كان نحو 9.000 منها لأشخاص فوق سن 65 عامًا. ورصدت مبادرة «إسناد أحوال الطقس العالمية» أن موجة حرارة الشهر الماضي كانت لتُعتبر «مستحيلة عمليًا» قبل نصف قرن.

ولم يقتصر هذا الاحترار على اليابسة؛ فقد سُجّلت موجة حر بحرية قوية في مياه المتوسط ذاتها (بلغ متوسط حرارة السطح نحو 28 درجة مئوية، بشذوذ تجاوز +2.6 درجة عن المعدلات)، وهو ما يرفع الرطوبة والطاقة الحرارية المختزنة ويغذي دورة الجفاف القاري على الشاطئين معًا.

وبعيدا عن الأرقام والبيانات المتعلقة بدرجات الحرارة ونسب الرطوبة المرتفعة، تؤكد بيانات المركز الأوروبي المشترك للأبحاث والنظام الأوروبي لمعلومات حرائق الغابات أن 95 في المئة من حرائق الغابات في أوروبا ناتجة بشكل مباشر أو غير مباشر عن النشاط البشري.

طبعا لا يقصد بها إشعال النيران بشكل متعمد، مثلما ذهبت إليه تحليلات سطحية في منصات التواصل، لكنها تدرس الأثر البشري البعيد بخصوص السياسات والقرارات الإدارية.

أزمة تتفاقم ومساحات تلتهمها النيران

قد يعتقد البعض وهو يرى ألسنة النيران تلتهم المساحات الجغرافية في عديد المناطق، أن هذا الأمر يقتصر على هذه الصائفة أو السنوات القليلة الماضية، لكن وفق بيانات «الاتحاد الأوروبي»: حتى 24 حزيران/يونيو 2026: بلغت المساحة التراكمية المحترقة 108709 هكتارات (+39% عن متوسط 2006–2025 البالغ 78466 هكتارًا).

وإذا حللنا الترتيب الرسمي لأسوأ سنوات العقد الأخير وفق بيانات JRC/EFFIS الرسمية للمساحات المحترقة في الاتحاد الأوروبي، فإن 2025 هي السنة الأسوأ في تاريخ الرصد الأوروبي برقعة تجاوزت 1079538 هكتارًا داخل الاتحاد الأوروبي وحده (وأكثر من مليوني هكتار بإضافة تركيا وأوكرانيا ودول غير عضوة)؛ سجّلت كل من ألمانيا وإسبانيا وقبرص وسلوفاكيا أرقامًا قياسية وطنية. أما في 2017 احترق خلاله 988427 هكتارًا، وسُجّلت أكثر من 100 حالة وفاة بين إسبانيا والبرتغال. وشهد عام 2023: احتراق 504002 هكتار، وأكبر حريق منفرد في تاريخ الرصد الأوروبي (حريق ألكسندروبوليس باليونان على مساحة 96000 هكتار، وخلّف 20 قتيلًا).

مؤشرات الضفة الجنوبية: تستمر في الاتجاه التصاعدي نفسه؛ سجّلت الحماية المدنية الجزائرية 3719 حريقًا منذ أول آيار/مايو 2026 حتى أواخر تموز/يوليو (مقابل 1501 حريق للفترة نفسها من 2025 – أكثر من الضعف). وسجّلت تونس أكثر من 600 حريق خلال 48 ساعة فقط في ذروة الموجة الحرارية، وفي المغرب، سُجّل 310 حريقًا غابويًا حتى 20 حزيران/يونيو (بارتفاع 32 في المئة في العدد مقارنة بـ2025)، وهو ما يعكس كفاءة نسبية في الاستجابة المبكرة رغم تزايد البؤر.

خلال العقد الماضي (2015–2025): تتصدّر إسبانيا والبرتغال تاريخيًا من حيث إجمالي المساحات المحترقة تراكميًا، تليهما إيطاليا واليونان وتركيا، مع دخول رومانيا وأوكرانيا وألمانيا القائمة في السنوات الأخيرة. وعلى الضفة الجنوبية، تظل الجزائر الأكثر تكرارًا للحرائق الكبرى، تليها تونس، ثم المغرب.

صائفة 2026 الملتهبة

إذا عدنا لتحليل المراكز المتخصصة بشأن هذه السنة التي كانت الأعين مسلطة عليها، سجلت إسبانيا ارتفاعا في المساحة المحترقة إلى نحو ستة أضعاف التاريخ نفسه من عام 2025، حيث شهدت البلاد اندماج حريق «نافالوينغا» بآفيلا، وحريق «سان مارتين دي بالديغليسياس» قرب مدريد، وحريق طليطلة في جبهة نارية واحدة بلغت مساحتها نحو 45000 هكتار بمحيط يتجاوز 200 كم. وتسببت تلك الحرائق في ارتفاع واضح في أعداد المُجلين: تجاوز عدد الأشخاص الذين جرى إجلاؤهم في فرنسا وإسبانيا معًا نحو 4000 شخص.

أسباب متعددة

عند تفحص الأسباب المساهمة في حزام النار المنتشر في مناطق واسعة من ضفتي البحر الأبيض المتوسط، واستنادًا إلى تقارير «جي أر سي»، والدوريات المحكّمة، تتوزع الأسباب بين الوقود الجاهز للاشتعال وهو ما يصفه الخبراء بالشرط التمكيني البنيوي، الناجم عن الجفاف الممتد وارتفاع الحرارة، وهما يجففان التربة والغطاء النباتي لعدة أشهر، متحوّلَين إلى وقود جاهز يجعل أي شرارة كافية لتوليد كارثة. لكن التقارير تتوقف مطولا عند الشرارة البشرية وبعضها تعتبرها المصدر الأول لإشعال الحريق، حيث تشير بعض التقارير إلى أنه أقل من 1 في المئة من حرائق الغابات عالميًا مصدرها طبيعي كالصواعق، بينما نحو 90-95 في المئة مصدرها بشري.

عند التدقيق في العنصر البشري وعلاقته بالنيران، نجد مثلا، الإهمال (أعقاب السجائر، المخيمات)، وأخرى متعلقة بالأعمال الزراعية والحرجية (حرق المخلفات، شرر الآليات الذي اتُّهم بإشعال حريق «لا مييرلا» الإسباني، 35000 هكتار)، والشرارات الكهربائية (خطوط التوتر العالي، قيد التحقيق في حريق ألميرية الأكثر دموية)، والحرائق المتعمدة (توقيفات في كاتالونيا وآفيلا، واعتراف متطوع إطفاء عمره 19 عامًا بإشعال حريق فونتينبلو عمدًا).

لكن الخبراء لا يتوقفون عند تحليل العنصر البشري ودوره في النيران، عند العوامل الآنية، بل يتعمقون أكثر عند العوامل البنيوية التراكمية، وهي النقاط التي صارت من أبرز العوامل التي يركز عليها الباحثون، وتتعلق على سبيل المثال، بهجرة الأرياف وتفكك الفسيفساء الزراعية وتراجع الرعي التقليدي، وهذا العامل سنعود له بالتفصيل في هذا التحقيق.

حرائق «الجيل السادس»

وقفت «القدس العربي» في هذا التحقيق، على العديد من التقارير، التي تجمع على وجود ظاهرة تسترعي الانتباه، وصاغ الباحثان الإسبانيان مارتا ميرايس وماريو كاستيلنو من وحدة تابعة لجهاز إطفاء كتالونيا، مفهوم «أجيال الحرائق» عام 2005 لتصنيف سلوك الحرائق حسب التحول الديموغرافي والأرضي للمشهد. ويُعدّ حريق مقاطعة تاراغونا الإسبانية عام 2009 الذي أودى بحياة خمسة إطفائيين، الحدث التأسيسي المرجعي الموثّق لهذا المصطلح. وتستعرض الدراسات ما تعتبره الفيزياء الحرارية وديناميكية الاشتعال، وتصف أدبيات علوم الحرائق المستخدمة في المشروع الأوروبي دورة تكوّن «طقس الحريق الذاتي» على النحو التالي: تتجاوز الطاقة الحرارية المنبعثة عتبة الاشتعال المفرط، فيتكوّن عمود تصاعدي شديد من الهواء الساخن والهباء الجوي، تتشكّل منه سحب ركامية نارية، وحين يبرد هذا العمود في الطبقات العليا من الغلاف الجوي ينهار على نفسه مسبّبًا دوامات هوائية هابطة ومفاجئة، تُطلق بدورها قفزات جمرية طائرة تُشعل بؤرًا جديدة على بعد كيلومترات خلف خطوط المواجهة.

وفي هذه المرحلة، تتوقف الطائرات عمليًا عن «إخماد» الحريق وتقتصر مهمتها على تبريد الحواف لتسهيل عمل الفرق الأرضية، وإن عجزت هذه الأخيرة يغدو التدخل الجوي بلا أثر حاسم حتى تتغيّر الظروف الجوية ذاتيًا. وهو ما اختصره رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز مؤخرا بوصفه الوضع بأنه «أسوأ تعبير عن طوارئ مناخية تزيد من فداحة حرائق من الجيل السادس».

هناك عامل حيوي يتحدث عنه الخبراء أطلقوا عليه اسم، مفارقة الإخماد، ويُرجع الباحثون الجذر البنيوي للظاهرة إلى هذه المفارقة؛ فكلما زادت كفاءة أجهزة الإطفاء في السيطرة على الحرائق الصغيرة، كلما تراكم الوقود النباتي غير المُدار عبر السنين، لتغدو الحرائق النادرة التي تفلت من السيطرة أكثر شراسة وتدميرًا. وبناءً على هذا التشخيص، انطلق مشروع أوروبي من 13 دولة، بتنسيق مركز العلوم والتكنولوجيا الغابوية بكتالونيا للدعوة للانتقال من «ثقافة الإخماد المطلق» إلى «التعايش مع النار وإدارة المخاطر».

هجرة الأرياف

والرعي سبب لاشتعال النيران!

يتحدث العلماء حاليا عن عامل أصبح محل اهتمامهم، وسيكون منطلقا لخطط حكومية، حول هجرة الأرياف وتفكك «الفسيفساء الزراعية». وتُجمع الدراسات المحكّمة في دوريات Agroforestry Systems وLand وFire Ecology على أن هجرة سكان القرى تركت الأراضي الزراعية والرعوية بلا إدارة، فتحولت إلى شجيرات كثيفة متصلة عالية القابلية للاشتعال. كانت مزارع الزيتون والحبوب والمراعي المفتوحة تشكّل «فواصل حيوية طبيعية» تكسر استمرارية النار؛ وبتراجعها تشكّلت شبكة وقود متصلة. وتُظهر البيانات الرسمية في البرتغال أن نحو 30 في المئة من الممتلكات الريفية أضحت بلا مالك واضح يديرها فعليًا. ويتحدث الخبراء عن تراجع الرعي الطبيعي، حيث أظهرت دراسة ميدانية في اليونان عن علاقة مباشرة بين تراجع أعداد الماشية الرعوية النقّالة وزيادة تواتر واتساع الحرائق حول المدن الكبرى. في المقابل، تُحذّر دراسة أخرى محكّمة من أن زيادة الرعي وحدها ليست حلًا سحريًا للحد من الحرائق، وتدعو بدلًا من ذلك إلى استراتيجيات إدارة متكاملة تجمع بين الرعي والحرق الموجّه ومعالجة العوامل الاجتماعية مجتمعة – أي أن الرعي أداة ضمن منظومة أوسع، لا حلًا منفردًا.

حلول غير تقليدية

لمواجهة عواصف النيران

تنطلق دراسات تبحث الجدوى الاقتصادية للوقاية مقابل الإخماد، من أهمية اعتماد الحلول غير التقليدية في مواجهة الظواهر المناخية الشاذة التي تشهدها المنطقة.

وأكدت دراسة حديثة نُشرت في دورية العلوم، حللت 285 حريقًا تقاطعت مع مشاريع تخفيف الوقود التابعة لمصلحة الغابات الأمريكية بين 2017 و2023، أن كل دولار يُستثمر في تخفيف الوقود النباتي (تقليم، حرق موجّه) يوفّر نحو 3.75 دولار من الأضرار المتجنَّبة، فيما ترتفع التقديرات في دراسات أخرى إلى 5-6 دولارات، وحتى 35 دولارًا في تحليل محلي لولاية فلوريدا. وفي السياق الإسباني تحديدًا، قدّر خبير حرائق مستشهد به في تحليل اقتصادي نشرته «يورونيوز» أن كل يورو يُستثمر في الوقاية قد يوفّر نحو 100 يورو من تكاليف الإخماد وحدها، ناهيك عن خسائر التربة والمياه والتنوع البيولوجي التي لا تُحتسب عادة في هذه المعادلات.

معركة الإطفاء وطائرات الإخماد

انشغل رواد مواقع التواصل بسرد حقائق وأرقام عن أعداد طائرات الإخماد، ودورها في إطفاء الحرائق، ونجاعتها في المسار الصعب الذي يواجه دول حوض البحر الأبيض المتوسط. ففي فرنسا واجهت السلطات انتقادات علنية بسبب نقص الجاهزية؛ وأقرّ وزير الداخلية لوران نونيز بأن عددًا من طائرات «الكنادير» كان خاضعًا للصيانة الدورية في ذروة الأزمة، ما قلّص العدد التشغيلي الفعلي رغم امتلاك فرنسا أحد أكبر أساطيل مكافحة الحرائق في أوروبا. كما أقر في إسبانيا مسؤولو الطوارئ بمدريد بأن الحريق المدمج تجاوز القدرة الميدانية على احتوائه، ووصف رئيس الوزراء الوضع بـ«الكارثي».

وأجمع الخبراء أن تلك الأساطيل ليست هي الدواء ولا العلاج للداء المزمن الذي يواجه المنطقة، خصوصا وتزامن البؤر، واشتعال عشرات الحرائق في نطاقات جغرافية متعددة بالتوقيت نفسه، ما أنهك غرف العمليات ويمنع تركيز الموارد الجوية والأرضية. يضاف لها التضاريس المعقدة، حيث أن الطبيعة الجبلية الوعرة في أطلس شمال أفريقيا وجبال الألب واليونان تُبطئ وصول الفرق الأرضية وتزيد مخاطر الحصار. وبحسب تلك الدراسات فإن الأساطيل الكبرى التي تملكها بعض الدول لم تكن معيناً، فمثلا إيطاليا تمتلك واحدة من أكبر أسطول وطني من طائرات الكنادير في أوروبا وعالميًا – 18 طائرة، لكن طفى معها إلى الأفق سؤال محوري هل الطائرات كافية؟

بإجماع تقني واسع، كانت الإجابة أن الأسطول وحده ليس الحل، وعبّر عن ذلك صراحة رئيس أسطول الطيران في جهاز الإطفاء الإيطالي متيو مونتيروسو في مؤتمر روما لمكافحة الحرائق جوًا 2026، داعيًا لمواءمة «التوقعات السياسية مع القيود الفيزيائية»، ومؤكدًا أنه «لا توجد دولة واحدة أو طراز طائرة واحد يمكنه حل هذه الأزمة بمفرده». وهو ما جعل وسائل إعلام عالمية، تنشر مقاطع فيديو طريفة، توثق استخدام المياه غير التقليدية لإيقاف النيران قرب منازل في فال دي أويكسو بإسبانيا عقب استخدام رجال الإطفاء مياه مسبح قريب عبر الدلاء المعلّقة أسفل المروحيات. كما استُخدمت مصادر مياه غير تقليدية أخرى، مثل مياه نهر السين لإخماد حريق غابة فونتينبلو قرب باريس (سابقة يصفها متخصصو الطيران بأنها «غير معتادة»)، وخليج أرشون قرب بوردو عبر مروحيتي «بلاك هوك» تشيكيتين، وخزانات مياه مؤقتة أنشأها مزارعون محليون بالتعاون مع فرق الإطفاء.

وتكشف هذه الظاهرة عن مرونة تكتيكية لدى فرق الإطفاء، لكنها تسلّط الضوء في الوقت نفسه على هشاشة التخطيط المائي الطارئ في الأرياف خلال مواسم الجفاف المتزامنة.

توصيات استراتيجية للخبراء

تشدد التوصيات الصادرة عن الجهات الرسمية المتخصصة في المجال، على ضرورة الانتقال الفوري من «ثقافة الإخماد المطلق» إلى مبدأ «التعايش مع النار وإدارة المخاطر»، والتوسع في الحرق الموجّه الشتوي وإعادة الرعي الموسّع، كأداتين ضمن منظومة متكاملة، لا كحل منفرد، مع عائد اقتصادي موثّق. كما خلصت العديد من الدراسات إلى ضرورة توفير دعم مالي واستراتيجي مباشر للرعاة والمزارعين الصغار لإعادة استزراع الأراضي المهجورة. ويعتبر الخبراء أن موسم 2026 يؤكد أن حرائق حوض المتوسط لم تعد حوادث صيفية عابرة بل أزمة بنيوية ممتدة. مع التأكيد، أن الشرارة بشرية في الغالبية الساحقة من الحالات، لكن المناخ المحتقن يمنحها الشدة، وهجرة الأرياف وتراجع الرعي التقليدي يمنحانها الاستمرارية والاتساع نحو حرائق الجيل السادس، وهي عوامل بدأت بعض الدول البرتغال أولًا، ثم إسبانيا وفرنسا، بالاعتراف بها صراحة في سياساتها الموثقة، بينما لا تزال أقل حضورًا في النقاش العام على الضفة الجنوبية. وتخلص الدراسات إلى أن الدرس الأقسى الذي يفرضه موسم 2026 على ضفتي حوض البحر الأبيض المتوسط ليس مجرد تذكير بحجم الفاتورة المناخية القادمة، بل هو إعلان صريح عن نهاية عصر «الإخماد التقليدي»، مع التأكيد أن معركة حماية الغابات، لم تعد تُحسم فوق مدرجات المطارات ولا عبر زيادة أعداد الطائرات المسكوبة على ألسنة اللهب؛ بل باتت تُحسم في عمق الأرياف والقرى الجبلية المهجورة.

ويشير العديد من الباحثين إلى أن الوقت حان لإدراك أن حماية المتوسط من الاحتراق التراكمي تبدأ من إعادة بناء العلاقة مع الأرض والريف، قبل أن تصبح هذه البيئة الاستثنائية مجرد ذاكرة فيرمادية تحت رماد التغير المناخ، فهل صار الوقت للعودة للرعي؟