في وقت يواجه فيه القطاع الصحي في غزة واحدة من أصعب مراحله، تتزايد ظاهرة هجرة الأطباء والكفاءات الطبية إلى خارج القطاع، لتضيف تحديا جديدا إلى سلسلة الأزمات التي تعصف بالمنظومة الصحية. فبين نقص الإمكانات وتدمير المرافق الصحية، والضغوط الأمنية والاقتصادية، أصبحت خسارة الكوادر الطبية عاملا رئيسيا في تعميق معاناة المرضى، وإضعاف قدرة المستشفيات على تقديم الخدمات الأساسية.
ولم تكن هجرة الأطباء من غزة ظاهرة جديدة، لكنها تسارعت خلال السنوات الأخيرة بفعل الظروف المعيشية والاقتصادية الصعبة، وغياب فرص التدريب والتخصص، إضافة إلى الأوضاع الأمنية المعقدة، وغالبية الأطباء وطلبة الطب في غزة، يبدون رغبتهم في السفر إلى الخارج لاستكمال التدريب أو الاستقرار المهني، مدفوعين بعوامل تتعلق بضعف فرص التطور المهني والظروف الاقتصادية والسياسية. وتواجه المستشفيات في غزة تحديات متراكمة، تشمل نقص الأدوية والمستهلكات الطبية، وتعطل العديد من الأقسام، وصعوبة إدخال المعدات الطبية، إلى جانب تضرر عدد كبير من المنشآت الصحية، وفي ظل هذه الظروف، يصبح غياب الكوادر الطبية المؤهلة عاملا إضافيا، يهدد قدرة النظام الصحي على الاستمرار.
ويرى مختصون أن استمرار هجرة الأطباء لا يعني فقدان أفراد فقط، بل خسارة سنوات طويلة من الخبرة والتأهيل، وهو ما يصعب تعويضه في بيئة تعاني أصلا من نقص في الموارد البشرية، في حين تنعكس هجرة الأطباء بشكل مباشر على جودة الخدمات الصحية، إذ يؤدي نقص الاختصاصيين إلى إطالة فترات انتظار المرضى، وتأجيل العمليات الجراحية وتقليص الخدمات التخصصية، خاصة في مجالات جراحة الأعصاب والقلب والأورام والعناية المركزة، كما يضطر بعض الأطباء إلى تحمل أعباء عمل مضاعفة، والعمل لساعات طويلة لتغطية النقص، الأمر الذي يزيد من الإرهاق المهني، ويؤثر في مستوى الرعاية المقدمة للمرضى. ويشتكي مواطنون في غزة من تدهور المنظومة الطبية، ووصولها إلى مراحل هي الأخطر منذ بدء الصراع، حيث لم تعد الكفاءات الطبية موجودة في مستشفيات في غزة، ويبحث آلاف المرضى عن فرصة للعلاج خارج القطاع، حيث أن آلاف المرضى خصوصا أصحاب الأمراض المزمنة والسرطان وأمراض القلب، يواجهون صعوبات متزايدة في الحصول على العلاج اللازم، سواء داخل القطاع أو عبر التحويل للعلاج في الخارج.
يقول المواطن إبراهيم طلعت «أبحث عن مخرج من أجل إجلاء زوجتي التي تعاني من تضخم في عضلة القلب، وصعوبة في أداء المهام والحركة، إذ لم أجد علاجا أو أطباء أكفاء ينقذون حياة زوجتي التي باتت تعيش على التنفس الاصطناعي، وتتدهور أوضاعها الصحية».
يشير في حديثه لـ«القدس العربي» إلى أن المستشفيات في غزة باتت نقاط رعاية أولية فقط، ولا تتوفر التخصصات الطبية الكاملة، وحتى كبار الأطباء تركوا العمل حفاظا على حياتهم من القتل الإسرائيلي، بالإضافة إلى البحث عن الأمان الوظيفي. ولفت إلى أن المرضى في غزة يدفعون ثمن هجرة الكفاءات الطبية، كما يزيد ذلك الضغط على الكوادر التي ما زالت تعمل في ظروف صعبة، ويؤخر تلقي المرضى العلاج بشكل سريع وكامل.
ويتحدث طبيب جراحة القلب الدكتور علاء محمد عن وجود عدة أسباب وراء لجوئه إلى الهجرة خارج غزة، ومنها غيال الأمان والاستقرار الوظيفي، وملاحقة الاحتلال للأطباء وقتلهم لتدمير المنظومة الصحية، وتكريس معاناة المرضى والسكان بشكل عام.
ولفت في حديثه لـ«القدس العربي» إلى أن غياب فرص التخصص والتدريب ومحدودية برامج الإقامة والتخصص داخل غزة، وعدم توفر بعض التخصصات الدقيقة، يدفعهم إلى البحث عن فرص تدريب خارجية، تتيح لهم تطوير مهاراتهم واكتساب خبرات لا تتوفر محليا.
ويوضح أن الهجرة لا تعني بالضرورة التخلي عن غزة، بل تمثل بالنسبة للبعض فرصة لاكتساب خبرات وشهادات تخصصية، والعمل في بيئة توفر إمكانات بحثية وتقنية أفضل، مع أمل العودة مستقبلا إذا توفرت الظروف المناسبة.
ويأمل أن تتحسن الأوضاع الأمنية في غزة، وأن يعاد ترميم المنظومة الطبية، بالإضافة إلى تحسين بيئة العمل، وتوفير برامج تدريب وتخصص محلية ودولية، ودعم الكوادر الطبية ماديا ومهنيا، إلى جانب إعادة تأهيل القطاع الصحي.
وعانى الأطباء في غزة منذ بدء حرب الإبادة من ظروف قاسية، تمثلت في قيام الجيش الإسرائيلي بتنفيذ عمليات اعتقال وقتل وتعذيب لهم، وما زال هناك عدد من الأطباء داخل سجون الاحتلال، وهذه الإجراءات كانت مبررا لعدد كبير من الأطباء لمغادرة غزة والبحث عن حياة آمنة.
في سياق ذلك يقول مدير مجمع الشفاء الطبي في غزة الدكتور محمد أبو سلمية، «واجهت الكوادر الطبية في غزة ظروفا قاسية وصعبة منذ الأيام الأولى من هذه الحرب، وكنت أنا واحدا من مئات الأطباء الذين تعرضوا للتنكيل والاعتقال من دون توجيه تهم تبرر أسباب الاعتقال، حيث فقدت المنظومة الطبية زملاء من ذوي الكفاءات، منهم من قتلوا واعتقلوا، وآخرين فروا من الموت والظلم».
ويؤكد لـ«القدس العربي» أن هجرة الأطباء من غزة تشكل تحديا استراتيجيا يضاف إلى الأزمات التي يعيشها القطاع الصحي، إذ يؤدي استمرار نزيف الكفاءات إلى تقليص فرص حصول المرضى على الرعاية الطبية المناسبة، ويهدد مستقبل الخدمات الصحية على المدى الطويل.
ويشير إلى أنه مع كل طبيب يغادر، تتراجع قدرة المستشفيات على الاستجابة لاحتياجات السكان، ويزداد العبء على الكوادر المتبقية، فهناك بعض التخصصات أصبحت تعاني نقصا حادا، ما يضطر المرضى إلى الانتظار لفترات أطول أو البحث عن العلاج خارج القطاع، وهو خيار لا يتاح للجميع بسبب القيود الإسرائيلية.
وتعد هجرة الكفاءات الطبية من غزة أكثر من مجرد انتقال مهني، فهي خسارة مباشرة لرأس المال البشري الذي يعتمد عليه القطاع الصحي في إنقاذ الأرواح، وبينما يسعى كثير من الأطباء إلى البحث عن الأمان أو فرص التدريب والعمل، يترك رحيلهم فجوة يصعب تعويضها، في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها القطاع.
