بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

اكتشاف كائنات دقيقة قديمة داخل أحد أكثر معالم القطب الجنوبي قسوةً

اكتشاف كائنات دقيقة قديمة داخل أحد أكثر معالم القطب الجنوبي قسوةً

اكتشف العلماء كائنات دقيقة لم يتم العثور عليها مسبقاً داخل أحد أكثر الأنهار الجليدية تجمداً في القطب الجنوبي، وهو ما يعني وجود نوع من الحياة غير المكتشفة هناك، الأمر الذي شكل مفاجأة للعلماء، وهي مفاجأة قد تؤدي إلى إعادة النظر في الكثير من المكونات داخل الأكوام الجليدية الموجودة هناك.

وبحسب دراسة علمية حديثة نشرتها مجلة «نيتشر جيوساينس»، واطلعت «القدس العربي» على مضمونها، فإن ما يُشبه «شلالات الدم» ظهرت على خلفية بيضاء ناصعة لنهر تايلور الجليدي في القارة القطبية الجنوبية لتشكل بذلك واحدة من «أغرب المعالم في العالم».

ويتدفق شلال قرمزي زاهٍ إلى بحيرة بوني، مُلوّناً الجليد النقي أثناء سقوطه، لكن سبب هذا اللون لا يعود إلى الطحالب، كما ظنّ العلماء في البداية، ولكن يبدو أن هناك حياة في هذا الخزان القديم، كما كشفت دراسة جديدة نُشرت في مجلة «نيتشر جيوساينس»، وهي أغرب حتى من شلالات الدم نفسها.

وكشفت الدراسة الجديدة، بقيادة عالمة الأحياء الدقيقة أنجيلا زومبليس من جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، عن وجود مجتمع غني من الكائنات الدقيقة يزدهر حول نظام المحلول الملحي القديم أسفل النهر الجليدي، وهو من سلالة مجتمع بحري ربما كان معزولاً عن بقية العالم لملايين السنين.

وقد أسرت شلالات الدم العلماء منذ أن اكتشفها الجيولوجي الأسترالي المولود في بريطانيا، توماس غريفيث تايلور، خلال رحلة استكشافية عام 1911.

وفي البداية، اعتقد العلماء أن البقعة الدموية ناتجة عن الطحالب، على غرار الثلج الوردي الذي يُرى أحياناً في المرتفعات العالية والمناطق القطبية.

لكن الباحثين اكتشفوا لاحقاً أن «الدم» يأتي من خزان قديم للمياه شديدة الملوحة محصور أسفل نهر تايلور الجليدي. ولأن درجة تجمد المحلول الملحي أقل من درجة تجمد الماء، فقد ظل سائلاً حتى وهو محصور داخل كتلة جليدية.

ويُعدّ المحلول الملحي غنياً بالحديد المذاب، الذي يبقى غير مرئيٍّ محصورًا تحت الجليد، والذي تشكّل عندما انحصرت مياه البحر القديمة تحت النهر الجليدي المتقدم، حيث بقيت هناك لما لا يقل عن 1.5 مليون سنة.

وفقط عندما يصل المحلول الملحي إلى السطح ويتفاعل مع الأكسجين، يتأكسد الحديد بسرعة، مُحوّلاً لون المحلول الخارج إلى لون أحمر صدئ داكن.

وتشتهر شلالات الدم باحتوائها على نظام بيئي ميكروبيّ فريد. ولكن بينما أمضى العلماء سنوات في دراسة البكتيريا والعتائق فيها – وهي كائنات بسيطة وحيدة الخلية تُعرف مجتمعةً باسم بدائيات النوى- لم يتم إعطاء اهتمام يُذكر للكائنات الميكروبية حقيقية النوى. وعلى عكس البكتيريا، تمتلك الكائنات حقيقية النوى – من الأميبا وحيدة الخلية إلى الإنسان والنباتات متعددة الخلايا- نواةً وآليات داخلية معقدة.

وتشمل حقيقيات النوى أيضاً ما يُسمى «الدياتومات المجهرية»، وهي طلائعيات ضوئية تعيش عادةً في المياه العذبة أو المالحة، ويمكن أن يُسهم وجودها في حفظ أدلة حول البيئات القديمة. وأرادت زومبليس وزملاؤها معرفة ما إذا كانت الدراسات الاستقصائية السابقة قد أغفلت الكائنات حقيقية النواة التي تعيش في شلالات الدم، وما إذا كانت هذه الميكروبات المُغفلة قد تكشف عن معلومات جديدة حول تاريخ خزان المحلول الملحي المحصور تحت النهر الجليدي.

وقام الباحثون بجمع 167 عينة من محيط شلالات الدم، ومنطقة وادي ماكموردو الجاف، والبيئات البحرية المحيطة، بما في ذلك التدفق الأحمر القاني نفسه، بالإضافة إلى الرواسب والجليد والطين. ثم قاموا بتحليل الحمض النووي الريبوزي «RNA» البيئي، مما مكّنهم من التمييز بين الكائنات الحية التي تعيش بنشاط في نظام المحلول الملحي وتلك التي لا يُمثلها سوى آثار جينية باقية.

وبدلاً من العثور على عدد قليل من الكائنات الحية المتناثرة التي حملتها الرياح وجرفتها المياه من أماكن أخرى، اكتشف الباحثون مجتمعاً مميزاً من الميكروبات حقيقية النواة يتمركز حول شلالات الدم نفسها. وينتمي العديد منها إلى مجموعات ترتبط عادةً بالمحيطات.

والأكثر إثارة للدهشة، أن الحمض النووي الريبوزي «RNA» لهذه الكائنات أظهر أنها نشطة نسخياً، ما يعني أنها تمارس وظائفها الحيوية الطبيعية تحت الجليد.

ويمكن للرياح أن تحمل الكائنات الدقيقة البحرية إلى الداخل، لذا بحث الفريق عن دلائل تشير إلى أن هذه الأنواع قد جرفتها المياه من الساحل، لكنهم لم يجدوا ذلك، وهو ما يعني أنها ليست قادمة من بعيد.

وتركزت حقيقيات النوى البحرية حول شلالات الدم بدلاً من انتشارها في الوديان الجافة، واختلف العديد منها جينياً عن أقاربها البحرية الحديثة بسبب العزلة الطويلة، وقد أثمر هذا الجهد المضني في حل اللغز.

وتشير النتائج إلى أن شلالات الدم قد تحتفظ بسلالات مجتمع بحري حوصر تحت نهر تايلور الجليدي عندما غمرت مياه البحر القديمة الوادي منذ زمن بعيد، ونجا بينما تحولت القارة القطبية الجنوبية من بيئة أكثر دفئاً إلى القارة المتجمدة التي نعرفها اليوم.

ولا يزال السؤال مطروحاً حول كيفية بقاء هذه السلالات. فعندما حوصرت مياه البحر القديمة لأول مرة تحت نهر تايلور الجليدي، كانت القارة القطبية الجنوبية مكاناً مختلفاً تماماً، وعلى مدى ملايين السنين، أصبحت القارة أكثر برودة وجفافاً، ودُفنت تدريجياً تحت تريليونات الأطنان من الجليد.

ومع ذلك، يبدو أن أحفاد ذلك المجتمع البحري القديم قد نجوا من هذا التحول.

ويعتقد الباحثون أن المحلول الملحي شديد الملوحة نفسه ربما شكّل ملاذاً آمناً. فالملح يُخفض درجة تجمد الماء، مما يسمح ببقاء جيوب من الماء السائل تحت النهر الجليدي حتى مع تجمد المناظر الطبيعية المحيطة؛ بل إن بعض الكائنات الحية تُظهر تكيفات للعيش في بيئة مالحة. وربما نجت بعض الكائنات أيضاً لفترات طويلة في حالة سبات قبل أن تعود إلى الحياة عندما تسمح الظروف بذلك. وربما سمحت هذه الاستراتيجيات مجتمعةً لمجتمع بحري قديم بالبقاء بينما تغيرت القارة القطبية الجنوبية نفسها بشكل جذري.