الجمعة 31 يوليو 2026 | 11:21 م
بوابة الهدف
جرّت دولة الاحتلال الولايات المتحدة إلى حرب جديدة، ثم جلست بأمان على مقاعد المتفرجين تراقب دافعي الضرائب الأمريكيين وهم يسددون الفاتورة. أموال أمريكية مقترضة تحوّلت إلى قنابل وصواريخ، ومليارات أخرى تبخّرت عند محطات الوقود تحت وطأة التضخم، وكل ذلك من أجل إعادة فتح مضيق كان مفتوحاً أصلاً، بعدما خدع دونالد إلى خوض حرب بنيامين.
بنيامين نتنياهو، يراقب المشهد من مسافة آمنة، بينما تتطاير الصواريخ بين القوات الأمريكية و إيران في حرب أمضى سنوات يحرض واشنطن على خوضها نيابة عنه.
في الداخل الأمريكي، توابيت ملفوفة بالعلم الأمريكي تعود بجثامين جنود قُتلوا في حرب حرّضت عليها دولة الاحتلال، وخاضها الجنود الأمريكيون، ودفع ثمنها دافعو الضرائب الأمريكيون. وفي الكونغرس، وقف وزير الحرب بيت هيغسيث أمام مجلس الشيوخ مطالباً بمزيد من الأموال لإبقاء آلة الحرب دائرة. يُطلب من المشرّعين توقيع شيكات لحرب لم يصوّتوا أصلاً على تفويضها، تُخاض من أجل أهداف لم تحددها واشنطن، من دون جدول زمني واضح لنهايتها، ومن دون أن يعرف أحد كيف أو متى ستتوقف.
وفي فلسطين المحتلة، قال وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، في مؤتمر للمستوطنين، إنه ليس لنا مصلحة للانضمام إلى الحملة، وإن بقاء الحرب محصورة بين إيران والولايات المتحدة هو "الوضع الصحيح والأفضل لنا".
وبلغة أكثر وضوحاً، و بعيداً عن لغة الدبلوماسية: دعوا الأمريكيين يموتون ويقاتلون ويدفعون ثمن الحرب، بينما نجلس نحن في الصفوف الخلفية ونراقب.
الجيش الأمريكي يستنزف مخزونه من صواريخ الدفاع الجوي لحماية قواعده المنتشرة في أنحاء المنطقة، بينما تحتفظ دولة الاحتلال بصواريخها الاعتراضية في الاحتياط. إنها لا تستهلك مخزونها كما تفعل الولايات المتحدة، بل تنتظر اللحظة التي تنضب فيها المخزونات الأمريكية، وتصبح دول الخليج مكشوفة أمام التهديدات الصاروخية.
وعندما تحين تلك اللحظة، ستتحول الصواريخ الاعتراضية الإسرائيلية إلى ورقة ضغط استراتيجية ثمينة، تستخدمها دولة الاحتلال لابتزاز الإمارات وغيرها من دول الخليج، وتحويل أمنها إلى سلعة لا تُمنح إلا مقابل مزيد من التنازلات السياسية.
الأكثر إثارة للدهشة أن نتنياهو لم يعد حتى بحاجة إلى إخفاء حجم نفوذه في إدارة السياسة الأمريكية.
ففي مقابلة على قناة فوكس نيوز يوم الأحد الماضي، عرض نتنياهو على الجمهور الأمريكي أهدافه من الحرب على إيران. رئيس وزراء أجنبي يظهر على شاشة أمريكية ليشرح، عملياً، أهداف حرب تخوضها القوات الأمريكية، ويحدد مسارها طيارون
أمريكيون، وتموّلها أموال دافع الضرائب الأمريكي، ثم يبدو أن نهاية الحرب نفسها يجب أن تأتي وفقاً للتقدير الإسرائيلي.
مهما تفاوض ترامب، ومهما قررت واشنطن، ومهما أراد الكونغرس، فإن الرسالة التي تصل من تل أبيب واضحة: القرار النهائي ليس لكم.
نتنياهو لا ينتظر انتهاء الحرب وفق شروط الولايات المتحدة؛ بل يعلن مسبقاً كيف ينبغي أن تنتهي. وكأن واشنطن لم تعد صاحبة القرار، بل مجرد القوة العسكرية والمالية التي تنفذ وتموّل وتدفع الثمن.
لكن نفوذ دولة الاحتلال لا يتوقف عند الحرب. فالدبلوماسية والتجارة والسياسة الاقتصادية الأمريكية تمر هي الأخرى عبر تل أبيب.
عندما وقّعت واشنطن مؤخرا اتفاقية تعاون نووي مدني مع السعودية، وأُعلن الاتفاق وسُجّل رسمياً بين الحكومتين، لم تمضِ سوى سويعات حتى عاد الرئيس ترامب ليتراجع، معلناً أن الاتفاق مشروط بتطبيع السعودية مع دولة الاحتلال.
هكذا، وبكل بساطة، تتحول الاتفاقيات الأمريكية إلى اتفاقيات مشروطة بموافقة حكومة أجنبية.
ولا يكلف المسؤولون الإسرائيليون أنفسهم حتى عناء الحفاظ على الحد الأدنى من اللياقة الدبلوماسية في الحديث عن كيفية إدارتهم للسياسة الأمريكية. فقبل أن يضيف ترامب شرطه الجديد، قال وزير الثقافة والرياضة الإسرائيلي ميكي زوهار لإذاعة الجيش إن "اسرائيل" كانت واضحة مع الولايات المتحدة بشأن «خطوطها الحمراء».
تأملوا العبارة جيداً: خطوط حمراء إسرائيلية تفرض على الولايات المتحدة ما يمكن وما لا يمكن فعله.
هذه ليست لغة دولة حليفة تتشاور مع واشنطن. إنها لغة دولة تتصرف كما لو أنها تملك حق الفيتو على قرارات القوة العظمى، وتعلم أن واشنطن ستصغي.
تأملوا المفارقة: وزير إسرائيلي يتحدث علناً عن خطوط حمراء تتعلق باتفاقية استراتيجية وتجارية أمريكية مع واحدة من أكبر الدول المصدرة للنفط في العالم، ودولة محورية في منظومة الأمن الخليجي التي أمضت واشنطن عقوداً في بنائها.
لم يكن مهماً أن الاتفاق السعودي قد يخدم مصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية والاقتصادية، أو أن التعاون النووي المدني قد يخدم أمن الطاقة الأمريكي. لم يكن مهماً حتى ما تريده الرياض أو واشنطن.
المهم الوحيد كان أن تل أبيب لم توافق بعد.
المسألة إذن ليست ما إذا كانت دولة الاحتلال تحاول التأثير في الاستراتيجية العسكرية الأمريكية، أو ما إذا كان قادتها يرسمون خطوطاً حمراء يُمنع على واشنطن تجاوزها.
السؤال الأكثر إزعاجاً هو: لماذا يسمح القادة الأمريكيون، جمهوريين وديمقراطيين، لدولة صغيرة لا تمثل ضرورة استراتيجية مطلقة للولايات المتحدة، بأن تمارس هذا النفوذ الاستثنائي على السياسة الخارجية للقوة العظمى الوحيدة في العالم؟
والأكثر إثارة للسخرية أن الخطوط الحمراء الإسرائيلية دفعت مؤيدي دولة الاحتلال في الولايات المتحدة إلى اكتشاف خطر «الانتشار النووي» فجأة.
هؤلاء الذين دافعوا لعقود عن الترسانة النووية الإسرائيلية غير المعلنة، أو برروها، أو غضوا الطرف عنها، اكتشفوا فجأة أن احتمال امتلاك السعودية برنامجاً نووياً مدنياً يمثل خطراً أخلاقياً وأمنياً لا يمكن التساهل معه.
لكن المسألة لم تكن يوماً منع الانتشار النووي بقدر ما كانت تحديد من يحق له امتلاك التكنولوجيا النووية، ومتى، وتحت أي شروط.
فبرنامج نووي سعودي يمكن قبوله، لكن بعد التطبيع مع دولة الاحتلال، لا قبله. الاعتراف أولاً، ثم تأتي الوعود بالمكافآت.
وهنا ينبغي للعواصم العربية أن تتعلم درساً قاسياً: القرب من واشنطن لا يعني بالضرورة امتلاك النفوذ فيها. إذا أرادت الدول العربية علاقة مع الولايات المتحدة تخدم مصالحها الأمنية والاقتصادية، فعليها أن تتوقف عن الخلط بين الوصول إلى دوائر السلطة وبين القدرة على التأثير في القرار.
لسنوات، قامت الاستراتيجية العربية على شراء الوصول إلى أصحاب النفوذ، وضخ مليارات الدولارات عبر وسطاء نافذين، مثل جاريد كوشنر، باعتباره بوابة خاصة إلى المكتب البيضاوي.
لكن كوشنر لم يكن وسيطاً محايداً.
ولاؤه لدولة الاحتلال كان واضحاً، وهو الذي بنى جزءاً كبيراً من ثروته بعد مغادرته البيت الأبيض من رأس مال عربي، في الوقت الذي كان فيه، خلال وجوده في الإدارة الأمريكية، يشارك في صياغة سياسة الشرق الأوسط بما يخدم مصالح دولة الاحتلال. واليوم، يستخدم جزءاً من ثروته لتمويل مستوطنات صهيونيه مقامة على أرض فلسطينية محتلة.
والإمارات العربية المتحدة تقدم المثال الأكثر وضوحاً على هذا النوع من العلاقات.
باع كوشنر لأبوظبي فكرة اتفاقيات أبراهام، مصحوبة بوعد مغرٍ: طبّعوا مع دولة الاحتلال، وستحصلون على أكثر الطائرات المقاتلة الأمريكية تطوراً، في صفقة تبلغ قيمتها نحو 23 مليار دولار وتشمل 50 طائرة من طراز إف-35.
قدمت الإمارات ما طُلب منها: الاعتراف، والسفارات، وفتح الأجواء، والتطبيع.
حصلت دولة الاحتلال على ثمار الصفقة. أما الطائرات، فلم تصل قط.
سنوات من «المتطلبات الفنية»، والمراجعات، والتأجيلات، والتراجعات الصامتة. النتيجة: الاعتراف أولاً، والوعد الذي لم يكتمل أبداً.
والآن يريد ترامب أن يبيع السعودية وعداً باتفاقية تجارية، لكنه يريد في المقابل أن يهدي دولة الاحتلال اعترافاً فورياً.
تُستنزف البقرة العربية من رأس المال والاستثمار وحسن النية الدبلوماسية، وحين تحين لحظة الوفاء، تساق وعود العرب إلى مذبح المعبد الإسرائيلي.
كل دولار أُنفق في مغازلة كوشنر، وكل تنازل قُدّم بحسن نية أو غباء، لم يشترِ نفوذاً حقيقياً، بل اشترى وهماً بالوصول.
على الأنظمة العربية أن تدرك أخيراً أن شراء الوصول إلى البيت الأبيض عبر موالين لدولة الاحتلال، مثل كوشنر، أو استضافة قواعد أمريكية تستخدم في حروب صُممت في تل أبيب ولخدمة مصالحها، لن يغيّر شيئاً جوهرياً في السياسة الأمريكية.
فطالما بقيت دولة الاحتلال قادرة، عبر نفوذ لوبياتها داخل الولايات المتحدة، على رسم خطوط حمراء لا يجرؤ القادة الأمريكيون على تجاوزها، ستظل واشنطن تنفق الدم والمال، بينما تحدد تل أبيب الأهداف.
من طهران إلى الرياض، ومن الحرب إلى التجارة، ومن الصواريخ إلى الاتفاقيات، لم تعد القضية مجرد نفوذ صهيوني على السياسة الأمريكية. القضية أن دولة الاحتلال أصبحت، في كثير من الملفات، هي التي ترسم حدود ما تستطيع أمريكا أن تفعله.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح في واشنطن ليس: ما الذي تريده إسرائيل؟
بل: متى أصبحت الخطوط الحمراء لدولة أجنبية أهم من المصالح الوطنية للولايات المتحدة نفسها؟

