مع اقتراب مراسم أربعينية الإمام الحسين، تشهد إيران مرة أخرى أكبر عملياتها اللوجستية والخدمية خلال العام؛ وهي عملية تشارك فيها عشرات المؤسسات الحكومية والأمنية والإغاثية وقطاعات النقل ووسائل الإعلام، وتهدف إلى تسهيل ومساندة سفر ملايين الإيرانيين إلى مدينتي النجف وكربلاء في العراق للمشاركة في مراسم الأربعين للإمام الحسين، ثالث أئمة الشيعة.
وحسب المسؤولين الإيرانيين، تُعدّ الأربعين أكبر عملية خدمية سنوية في البلاد، إذ تشارك فيها عشرات الأجهزة التنفيذية، بدءاً من وزارة الداخلية ووزارة الطرق، مروراً بوزارة الصحة، ومنظمة الحج والزيارة، وجمعية الهلال الأحمر، وقيادة الشرطة الإيرانية، وهيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، وصولاً إلى المحافظات والبلديات. وتبدأ هذه الجهات، قبل أسابيع من انطلاق المراسم، التخطيط وإعداد البنى التحتية اللازمة لتأمين مشاركة ملايين الزائرين الإيرانيين في العراق.
كما يصف مسؤولو الجمهورية الإسلامية مراسم الأربعين بأنها تتجاوز كونها مناسبة دينية، ويعتبرونها رمزاً للعلاقات بين إيران والعراق، وأكبر تجمع ديني في العالم. ولهذا السبب، تُخصَّص سنوياً موازنات وإمكانات وقدرات كبيرة لتنظيم هذه المناسبة وتقديم الخدمات للزائرين، فيما تتابع وسائل الإعلام الرسمية هذا الحدث من خلال تغطية واسعة تشمل الأخبار والتقارير والبرامج الخاصة.
وخلال مراسم الأربعين، يقطع المشاركون المسافة بين مدينتي النجف وكربلاء سيراً على الأقدام في الذكرى الأربعين لواقعة استشهاد الامام الحسین في كربلاء في یوم العاشر من شهر محرّم (يوم عاشوراء) سنة 61 للهجرة القمرية الحدث المعروف باسم “الطف”. كما يتوجه بعض الزائرين سيراً من مدن قريبة وبعيدة نحو كربلاء، في حين يكتفي آخرون ممن لا تسمح لهم حالتهم الصحية أو البدنية بقطع مسافات أقصر.
ويُعدّ المشي إلى مدينة كربلاء لإحياء زيارة الأربعين تقليداً عريقاً وموروثاً تاريخياً في العراق، إذ يبدأ قبل أيام من حلول الأربعين، وتنطلق مواكب المشاة من المدن القريبة والبعيدة باتجاه كربلاء. وعلى طول طرق السير، يقيم الأهالي محطات خدمية تُعرف باسم المواكب، تقدّم للزائرين مجاناً الطعام والشراب والمياه وأماكن الاستراحة والإقامة وسائر الخدمات. وخلال السنوات الأخيرة، بات يشارك ملايين الإيرانيين أيضاً في هذه المناسبة، إلى جانب الزائرين القادمين من مختلف دول العالم.
ويبلغ عدد سكان إيران نحو 90 مليون نسمة، يشكل الشيعة الاثنا عشرية غالبيتهم. ويقصد ملايين الإيرانيين سنوياً مدينتي النجف وكربلاء في العراق لزيارة مرقدي الإمام علي والإمام الحسين، وهما الإمام الأول والإمام الثالث لدى الشيعة. كما يتوجّه الزائرون إلى مدينة الكاظمية في بغداد لزيارة مرقدي الإمام موسى الكاظم (الإمام السابع) والإمام محمد التقي الجواد (الإمام التاسع)، كما يسافرون إلى مدينة سامراء في شمال العراق لزيارة مرقدي الإمام علي النقي الهادي (الإمام العاشر) والإمام الحسن العسكري (الإمام الحادي عشر).
ووفقاً للإحصاءات الرسمية الإيرانية، دخل حتى الآن أكثر من مليوني شخص من إيران إلى العراق للمشاركة في مراسم الأربعين، فيما تتوقع السلطات أن يرتفع عدد الزائرين الإيرانيين إلى عدة ملايين مع اقتراب يوم الأربعين.
كما توقعت السلطات الإيرانية أن يشارك ملايين الإيرانيين أيضاً في مراسم الأربعين هذا العام. ويقول المسؤولون إن تجارب السنوات الماضية أظهرت أن عدد الزائرين الإيرانيين يتجاوز عادة ثلاثة ملايين شخص، فيما بلغ عدد المشاركين الإيرانيين في أربعين الماضي نحو 3.6 ملايين زائر.
بالتزامن مع ذلك، أعلن رئيس اللجنة المركزية للأربعين في وزارة الداخلية الإيرانية أن أكثر من مليونين و350 ألف شخص سجلوا أسماءهم في المنظومة الإلكترونية “سماح”. وأكد أن التسجيل في هذه المنظومة إلزامي لجميع الزائرين، سواء كانوا من المواطنين الإيرانيين أو من الرعايا الأجانب المقيمين في إيران، وذلك لأن خدمات التأمين والإغاثة والتخطيط للرحلة تُقدَّم فقط للأشخاص المسجلين في هذه المنظومة.
جواز السفر الخاص بالزيارة
ومن بين البرامج التي اعتمدتها الحكومة الإيرانية لتسهيل سفر الزائرين في الأربعين، إصدار جواز السفر الخاص بالزيارة ووثيقة العبور الخاصة بالأربعين على نطاق واسع، وذلك بهدف تقليص مدة انتظار المتقدمين للحصول على جواز السفر وتسريع إجراءات السفر.
ويُشار إلى أن شرط الحصول على تأشيرة لدخول المواطنين الإيرانيين إلى العراق، وكذلك المواطنين العراقيين إلى إيران، قد أُلغي في السنوات الماضیة، وأصبح زائرو الأربعين يدخلون الأراضي العراقية من دون الحاجة إلى تأشيرة دخول.
ووفقاً للإحصاءات الرسمية، يُعد الإيرانيون والعراقيون أكبر فئة من المسافرين الأجانب في البلدين.
وعلى الرغم من أن طول الحدود البرية المشتركة بين إيران والعراق يبلغ نحو 1600 كيلومتر، فإن اللجنة المركزية للأربعين أعلنت أن ستة منافذ حدودية رسمية خُصصت هذا العام لعبور الزائرين، وهي: شلمجة، وجذابة (جنوب)، وخسروي ومهران (وسط)، وباشماق، وتمرجين (کوردستان)، حيث تتم حركة دخول الزائرين إلى العراق عبر هذه المنافذ.
ولا يزال منفذ مهران الحدودي في محافظة إيلام (غرب إیران) أكثر المنافذ الإيرانية ازدحاماً، إذ عبر منه ما يقرب من نصف إجمالي الزائرين المتوجهين إلى العراق.
ووفقاً للمسؤولين، فإن نحو 98 في المئة من الزائرين دخلوا العراق عبر المنافذ البرية، بينما توجه قسم منهم إلى النجف أو بغداد عبر الرحلات الجوية المباشرة.
ثلاثة آلاف موكب إيراني في العراق
تُعدّ المواكب إحدى أكبر شبكات تقديم الخدمات خلال موسم الأربعين، وهي محطات توفر للزائرين خدمات الإقامة والطعام ومياه الشرب والرعاية الصحية والخدمات الثقافية، وذلك بصورة مجانية. وتُقام هذه المواكب بمشاركة المواطنين، والهيئات العامة، والمؤسسات الحكومية وشبه الحكومية.
وأعلن رئيس مكتب منظمة الحج والزيارة الإيرانية في العراق، أن نحو ثلاثة آلاف موكب إيراني ستعمل هذا العام في مدن النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء، وعلى امتداد طريق المشاية بين النجف وكربلاء.
وإلى جانب المواكب المنتشرة داخل العراق، تنشط مئات المواكب الأخرى في المحافظات الحدودية الإيرانية وعلى الطرق المؤدية إلى المنافذ الحدودية. وتقدم هذه المواكب للزائرين خدمات متنوعة، تشمل توزيع الطعام ومياه الشرب، وأماكن الاستراحة، والخدمات الطبية.
ويتوجه كثير من الزائرين بسياراتهم الخاصة إلى المنافذ الحدودية، ثم يتركونها في مواقف السيارات المخصصة قبل دخولهم الأراضي العراقية. ولهذا السبب، تعمل محافظتا إيلام وخوزستان سنوياً على زيادة الطاقة الاستيعابية لمواقف السيارات الحدودية.
وأعلنت السلطات المحلية أن مواقف السيارات المخصصة لأربعين هذا العام أصبحت جاهزة للاستفادة، بطاقة استيعابية تبلغ نحو 150 ألف سيارة في محافظة إيلام، ولا سيما عند منفذ مهران الحدودي، ونحو 90 ألف سيارة في محافظة خوزستان، عند منفذي شلمجة وجذابة، وذلك بهدف الحد من الازدحام المروري في محيط المنافذ الحدودية.
ومع انطلاق موجة سفر الزائرين، أعادت هيئة الإذاعة والتلفزيون في إیران تشغيل “إذاعة الأربعين”، وهي محطة إذاعية تبث على مدار الساعة أخبار المنافذ الحدودية، وحركة المرور، وإعلانات اللجنة المركزية للأربعين، والبرامج الدينية، والتغطيات المباشرة من المدن المقدسة في العراق، إلى جانب الإرشادات الصحية والأمنية الخاصة بالزائرين.
وخلال الأسابيع التي تسبق الأربعين، تخصص هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية، إلى جانب وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية والدعائية الحكومية وشبه الحكومية في إيران، جانباً كبيراً من إنتاجها الإعلامي والثقافي لهذه المناسبة، كما تنظم برامج متعددة لتشجيع المواطنين على المشاركة فيها.
وفي مجال الخدمات الطبية، أعلنت وزارة الصحة الإيرانية وجمعية الهلال الأحمر الإيراني عن نشر مئات الفرق الطبية، والعيادات المتنقلة، والمستشفيات الميدانية، وسيارات الإسعاف، وفرق الإنقاذ على المنافذ الحدودية وداخل الأراضي العراقية.
وتقدم هذه الفرق خدماتها الطبية والإغاثية للزائرين على امتداد مسارات المشاية، ولا سيما على الطريق الرابط بين النجف وكربلاء. كما تم إيفاد آلاف الأطباء والممرضين والمتطوعين في جمعية الهلال الأحمر لتوفير التغطية الصحية للمراسم.
