بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

حقيبة سفر تفضح أخطر شبكة عقارية… هويات مزورة وبيع أملاك أصحابها من دون علمهم

حقيبة سفر تفضح أخطر شبكة عقارية… هويات مزورة وبيع أملاك أصحابها من دون علمهم

لم تكن حقيبة السفر التي ضبطتها مفرزة بعبدا القضائية مليئة بالملابس، بل بسندات ملكية وإخراجات قيد وهويات ووكالات وخرائط وأختام، يُشتبه في أنها كانت تشكّل “عدة العمل” لشبكة احتيال منظّمة استولت على عقارات في مناطق لبنانية عدة، وباعتها أو رهنتها من دون علم أصحابها.


فالتحقيق الذي أجرته مفرزة بعبدا القضائية، بإمرة العقيد محمد برجاوي وبإشراف القضاء المختص، كشف عن شبكة يُشتبه في اعتمادها أسلوباً متكاملاً يبدأ باختيار العقار وجمع معلومات عن مالكه، ويمرّ بتزوير هويته ومستنداته، ولا ينتهي إلا بعد استقدام شخص ينتحل صفته أمام كاتب العدل وتنظيم وكالة غير قابلة للعزل تُستخدم في البيع أو الرهن.


وبحسب معطيات التحقيق، لم يكن الملف محصوراً بعملية واحدة، بل شمل عقارات في عرمون وشحيم وصور ومناطق أخرى، إضافة إلى مستندات تتعلق بعقارات كان يُحضّر لاستهدافها قبل أن تتمكن القوى الأمنية من توقيف أحد المشتبه بهم وضبط كمية ضخمة من الأوراق والوثائق داخل منزله ومكتبه.


وبعد استكمال التحقيقات الأولية، ادعى النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي سامي صادر على عدد من المشتبه بهم بالمواد التي رآها منطبقة على الأفعال المنسوبة إليهم، وأحال الملف إلى القضاء المختص لاستكمال التحقيق واتخاذ المقتضى القانوني.


وتشير محاضر التحقيق إلى أن الموقوف س. ع. أدلى بإفادة مفصلة بعد إبلاغه بحقوقه المنصوص عليها في المادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، مؤكداً أنه لا يرغب بحضور محام وأنه سيدلي بأقواله بكامل إرادته.


وكشف س. ع.، وفق ما ورد في إفادته، عن توزيع دقيق للأدوار داخل المجموعة. فكان بعض أفرادها يتولون البحث عن عقارات يمكن الاستيلاء عليها، فيما يعمل آخرون على تأمين إخراجات القيد وسندات الملكية والهويات والوكالات المزورة، قبل استقدام رجال أو نساء لانتحال صفات المالكين الحقيقيين أمام كتاب العدل.


وبحسب الإفادة، كان ج. غ. يتولى إدارة العمليات وتوزيع الأدوار والإشراف على تنفيذها، بينما كان غ. ص. مسؤولاً عن تأمين الهويات والوكالات والمستندات المزورة لقاء مبالغ قد تصل إلى 10 آلاف دولار عن العملية الواحدة.


أما المرحلة الأكثر خطورة، فكانت تبدأ بعد تجهيز المستندات. إذ كان الشخص المنتحل لصفة المالك يتوجه إلى مكتب كاتب العدل، حاملاً هوية مزورة تتضمن بيانات المالك الحقيقي وصورته الشخصية، لتنظيم وكالة غير قابلة للعزل تمنح أفراد الشبكة القدرة على التصرف بالعقار كما لو أنهم أصحابه الشرعيون.


وأكد س. ع. أن كتاب العدل الذين نظمت أمامهم المعاملات لم يكونوا، بحسب علمه، على اطلاع على عمليات التزوير، بل جرى خداعهم عبر مستندات بدت رسمية وأشخاص ظهروا أمامهم بصفتهم أصحاب الحقوق الحقيقيين.


ومن بين العمليات التي كشف عنها التحقيق، عقار عائد لأماندا البطار، حيث جرى، وفق الإفادة، الحصول على إخراج قيدها ومستندات ملكيتها، ثم تزوير بطاقة هوية تحمل بياناتها واستقدام امرأة لانتحال شخصيتها أمام كاتب العدل، قبل تنظيم وكالة استُعملت لاحقاً لبيع العقار والاستيلاء على ثمنه.


كما اعترف س. ع. بالمشاركة في عملية طالت عقاراً في عرمون، بعدما جرى تزوير هوية مالكه واستقدام شخص لانتحال صفته، قبل إتمام عملية بيع قُدرت عائداتها، بحسب إفادته، بنحو 100 ألف دولار جرى توزيعها بين المشاركين.


وفي عملية أخرى، حصلت المجموعة على مبلغ 40 ألف دولار، تسلمه ج. غ.، فيما نال س. ع. مبلغ 4 آلاف دولار، ودُفعت مبالغ أخرى إلى غ. ص. لقاء إعداد المستندات والهويات المزورة.


ولم تكن الشبكة، بحسب الإفادة، تعتمد البيع فقط، بل كانت تلجأ بصورة أساسية إلى رهن العقارات لدى أشخاص أو جهات مقابل مبالغ مالية كبيرة، ثم تتقاسم الأموال قبل أن ينكشف التزوير ويبدأ أصحاب الحقوق بالملاحقة.


كما تحدث الموقوف عن عملية استهدفت عقاراً في شحيم بواسطة وكالة ومستندات مزورة استُعملت في رهنه، وعن عملية مماثلة في مدينة صور قامت على تزوير الأوراق واستقدام أشخاص لانتحال صفة أصحاب العقار.


وكشف التحقيق أيضاً عن اتفاق يتعلق بعقار في شحيم قيل إنه نُظم بعد وفاة أحد المشاركين، ما عزز الشبهات بأن المستند كان مزوراً بالكامل واستُعمل لإضفاء طابع قانوني على معاملة غير صحيحة، قبل إعادة الأموال بعد افتضاح الأمر.


الأخطر أن أفراد المجموعة، وفق الإفادة، كانوا يتلفون المستندات المزورة فور إنجاز كل عملية، في محاولة لقطع أي رابط بينهم وبين المعاملات المنفذة ومنع المحققين من الوصول إلى الأدلة.


إلا أن عملية الدهم قلبت المعادلة. فقد عثر المحققون داخل منزل الموقوف ومكتبه في “سنتر دالاس” على كمية كبيرة من سندات الملكية وإخراجات القيد والهويات والوكالات والخرائط العقارية والأختام والهواتف الخلوية وأجهزة إلكترونية، إضافة إلى 3 هويات مزورة كانت معدّة، بحسب الإفادة، لعمليات جديدة لم تُنفذ بعد.


وضُبطت أيضاً مستندات تعود إلى عقار في كفرسوسة، قال الموقوف إنه كان يجري التحضير لاستعمالها في عملية احتيال جديدة، إلا أن المشروع لم يُستكمل بسبب انخفاض قيمة العقار وتعقيد أوضاع الورثة.


كما أقرّ بأنه استولى على مستندات من سيارة ع. ع. من دون علمه، واستعمل بعضها في التحضير لعمليات أخرى، نافياً أن يكون صاحب السيارة على علم بما حصل أو مشاركاً فيه.


وسلّم س. ع. المحققين أرقام هواتف قال إنها كانت تستعمل للتواصل بين أفراد المجموعة، مؤكداً أن بعض المشتبه بهم كانوا يستخدمون أكثر من رقم لتفادي تعقب اتصالاتهم وتحركاتهم.


وبإشارة المحامي العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضية ندين نجم، أُبقي س. ع. موقوفاً رهن التحقيق، وحُجزت سيارة “نيسان” من طراز 2015، وضُبطت الهواتف والمستندات والأوراق والأجهزة التي عثر عليها بحوزته.


كما طلبت القاضية نجم استكمال تحليل محتويات الهواتف والبيانات الرقمية، ومطابقتها مع المستندات والوكالات والهويات المضبوطة، بهدف تحديد طبيعة العلاقة بين المشتبه بهم وكشف أي عمليات أخرى مرتبطة بالملف.


وتركز التحقيقات حالياً على تحديد مصدر الهويات وإخراجات القيد وسندات الملكية والأختام، وكيفية الحصول عليها، والجهات التي تولت إعدادها أو تزويرها، إضافة إلى مراجعة المعاملات التي نظمت أمام كتاب العدل ومقارنتها بالقيود الرسمية.


كذلك يجري تتبع حركة الأموال الناتجة عن عمليات البيع والرهن، وتحديد الأشخاص الذين قبضوا المبالغ أو تقاسموها، في وقت تشير فيه المضبوطات إلى أن الشبكة كانت تحضّر لعمليات جديدة قبل سقوطها في قبضة مفرزة بعبدا القضائية.


وبذلك، لم يعد التحقيق أمام ملف تزوير عابر، بل أمام سلسلة مترابطة من عمليات الاستيلاء على أملاك الغير، نفذت أو كان يجري التحضير لها في أكثر من منطقة، عبر هويات مزورة ووكالات غير قابلة للعزل ومستندات عقارية جرى إعدادها بعناية لإظهار الاحتيال في صورة معاملة قانونية.


ويبقى الملف مفتوحاً على توقيفات وادعاءات إضافية، ربطاً بما ستكشفه الهواتف والمضبوطات وحركة الأموال، وبهوية كل من شارك في تزوير المستندات أو انتحال صفات المالكين أو الاستفادة من بيع عقارات لم يكن يملكها.