تساءلت المعلقة في صحيفة “الغارديان” نسرين مالك عن السبب الذي جعل أقدم مجلة في بريطانيا “مطبلة” لمعاداة الإسلام، أو الإسلاموفوبيا، مشيرة إلى تقرير عن مقالات نشرت في مجلة “ذي سبكتاتور”، تعطي فكرة أن الحركة المحافظة في بريطانيا باتت تركز على الأقلية المسلمة دون غيرها، حيث بات العداء للمسلمين، أو الإسلاموفوبيا، أمرا مقبولا في الخطاب السائد.
وقالت إنها بدأت مقالتها وهي مستسلمة لفكرة تجاهل الناس لها، وأن القراء قد لا يهتمون بالموضوع، و”هذا لا يعني أنني لا أثق بكم، أيها القراء الأعزاء، في مواصلة القراءة والاهتمام. لكنني أدرك، وهذا جوهر المشكلة، أنه بات من الطبيعي، عندما يتعلق الأمر بأقلية معينة في هذا البلد، أن نتحدث عنها كما لو كانت وباء. وأصبحت ظاهرة الإسلاموفوبيا شائعة لدرجة أنها باتت أمرا عاديا في أجزاء كبيرة من وسائل الإعلام البريطانية. وتأتي مجلة “ذي سبكتاتور”، أقدم مجلة سياسية في بريطانيا، في مقدمة هؤلاء المتهمين”.
وأشارت إلى تقرير مفصل صادر عن مركز رصد الإعلام، استعرض 3,733 مقالا نشرت في مجلة “ذي سبكتاتور” وتتعلق بالإسلام أو المسلمين.
وقد انتقد التقرير الصادر الأسبوع الماضي المجلة نتيجة ما رآه “نمطا ممنهجا ومستمرا من التغطية المتحيزة ضد المسلمين والإسلام”، وفقا لمركز رصد الإعلام، و”تم تصنيف أكثر من نصف المقالات، التي تغطي ثماني سنوات وذات الصلة، على أنها متحيزة”. وقالت مالك عن التقرير إنه قاتم جدا.
انتقد التقرير الصادر الأسبوع الماضي المجلة نتيجة ما رآه “نمطا ممنهجا ومستمرا من التغطية المتحيزة ضد المسلمين والإسلام”، وفقا لمركز رصد الإعلام، و”تم تصنيف أكثر من نصف المقالات، التي تغطي ثماني سنوات وذات الصلة، على أنها متحيزة”
وأضافت أن من بين الاستنتاجات التي توصل إليها التقرير أن مقالات المجلة دأبت على تصوير المسلمين على أنهم “فئة سكانية مثيرة للمشاكل”، وقامت بنزع الشرعية عن مفهوم الإسلاموفوبيا نفسه، وقدمت المسلمين باستمرار على أنهم حالة خاصة أو يشكلون تهديدا.
والنتيجة النهائية هي تصوير أقلية ليس فقط بأنها طائفية ومنعزلة، بل وتحاول، رغم خطورتها وعزلتها، استعمار المجتمع البريطاني بالقوة، وهنا المفارقة.
وعادة ما تتعامل مقالات المجلة مع مخاوف المسلمين بشأن الإساءات العنصرية باعتبارها “حساسية مفرطة” ومجرد “فزع”. ومن المفترض أن هذه المخاوف تأتي ردا على ما يرد في مقالات المجلة من تصريحات تحذر من أن “الإسلام المنظم قوي وصاخب”، وكإشارة إلى تزايد عدد المسلمين في البلاد، و”تضاعف شبه الأميين والمهووسين بالعذرية والقتلة المحتملين منهم وممن يعيشون بيننا”.
وتضيف مالك أن المجلة تتعامل مع وجود المسلمين في بريطانيا على أنه حضور أجنبي سام. فقد كتب أحدهم: “لاحظ مؤرخون بارزون، وبشكل صحيح تماما، أن الإسلام يبدو أنه يحمل في طياته سمات تجعله عصيا على الفهم بالنسبة للدولة العلمانية الحديثة”. وكتب آخر: “ينبغي علينا إعادة النظر في الموافقة على بناء المساجد”.
وتكشف هذه التغطية الإعلامية للأقلية المسلمة عن بلد يتدهور بشكل صادم، يرتعد فيه الساسة خوفا من المسلمين، يساندهم اليسار ويحرضهم، وتغض المحاكم الطرف عنهم.
وتقول مالك إن حجم الهجمة هائل ومتواصل، فمع أنه من غير المقبول الحديث عن أي أقلية أخرى بهذه الطريقة، فإن المسلمين يحتلون موقعا استراتيجيا يجعلهم هدفا سهلا لقوى الرجعية.
ويتم تصنيفهم بناء على عرقهم، أو أنهم مهاجرون أو من نسل مهاجرين، يجرؤ بعضهم على ممارسة شعائره الدينية. وهذه الخصائص الفريدة تسهل توجيه العنصرية ومعاداة الهجرة والتعصب الأعمى.
وقد تحورت ظاهرة الإسلاموفوبيا لتصبح أداة لأمور لا يمكنك قولها علنا عن الملونين عموما، ولكن يمكن أن تقولها عن المسلمين.
حجم الهجمة هائل ومتواصل، فمع أنه من غير المقبول الحديث عن أي أقلية أخرى بهذه الطريقة، فإن المسلمين يحتلون موقعا استراتيجيا يجعلهم هدفا سهلا لقوى الرجعية
ويتتبع الكاتب والإعلامي بيتر أوبورن، المحرر السياسي السابق للمجلة، في مقدمة التقرير، تاريخ “ذي سبكتاتور”، وكيف انتقلت من إدانة إينوك باول، المناهض للهجرة، إلى “إعادة بناء سمعته تدريجيا”. ويستشهد أوبورن بمقال نشر في وقت سابق من هذا العام، جاء فيه أن باول “كانت لديه رؤية للنظام السياسي البريطاني وقيمه وأسلوب حياته، وهي رؤية يشعر العديد من البريطانيين حتى اليوم بأنهم يتماهون معها، وهذا، على الأقل، ما يجعله أحد أبرز الشخصيات المحافظة المؤثرة في البلاد”.
وعلاوة على إعادة تأهيل باول، الذي رفض حزبه خطابه “أنهار الدم” في حينه، تقوم المجلة بالترويج لسياسات اليمين المتطرف على نطاق أوسع، حيث أشادت في إحدى مقالاتها بتومي روبنسون، أحد رموز التيار المحافظ الذين يستهدفون المسلمين، ووصفته بأنه “محبوب، ذكي، سريع البديهة، فصيح، واسع الاطلاع، ومؤدب”.
وتشير الكاتبة إلى أن المجلة، ورغم خطابها هذا، لا تزال تحظى بمكانة مرموقة، لدرجة أن حفلها الصيفي يحضره سياسيون وصحافيون من حزبي العمال والمحافظين، ومن مختلف وسائل الإعلام البريطانية، حيث يختلطون بنايجل فاراج، زعيم إصلاح بريطانيا، وجمهور “ذي سبكتاتور” الأوسع.
وقد تفاخرت المجلة في تموز/يوليو، بعد إصدارها لهذا العام، قائلة: “لا يزال هذا الحفل هو الحدث الاجتماعي الأكثر رواجا في موسم صيف وستمنستر”. وهذا رد على الاتهام الموجه لها باستهداف المسلمين، إن وجد أصلا.
ومع ذلك، فهناك دلالة رمزية واضحة للتأثير الذي تمارسه المجلة. فبينما تمزق البلاد سياسات اليمين المتطرف واحتجاجاته، وبينما تهاجم المساجد وتصل جرائم الكراهية إلى مستويات غير مسبوقة، لا يمانع السياسيون المنتخبون وصناع الرأي العام في مشاركة أولئك الذين ينشرون الخطاب التحريضي الشراب ونفس الحفل.
وما لفت انتباه الكاتبة أكثر من مجرد التحريض والقبول بنزع الإنسانية عن المسلمين، هو أن معظم الاقتباسات في تقرير مركز رصد الإعلام تكشف عن أسلوب المجلة، وأنها تنشر مواد مبتذلة ورديئة الكتابة وضعيفة الحجة. فلا يخرج القارئ بانطباع أن هذه مجلة مرموقة تكرس مواردها الفكرية والصحافية الهائلة لأقلية إشكالية تهتم بها، بل بانطباع أنها ليست نشرية جادة.
فالمقالات الموجودة فيها تشبه المحتوى الموجود في تلفزيون “جي بي”، أو المقابلات الهاتفية الإذاعية التحريضية الأسلوب، أو تلك المنشورة في صحف التابلويد. كل هذا يكشف، كما تقول مالك، عن تقارب بين وسائل الإعلام اليمينية، وعن التطرف الذي يركز على الغضب وبث الرعب بطريقة تغذي مخاوف القراء والمشاهدين وشكوكهم.
وهذه استراتيجية تجارية ناجحة، من دون أن تهتم بالإشارة إلى المجتمع أو تقديم تصوير متعاطف للبلد الذي يتعرض للتخريب.
فلا يوجد إلا شيء واحد يجمعنا، وهو الكراهية والغضب. والنتيجة مناخ عدائي وخطير ليس فقط على المسلمين، بل على كل من تقرر ضمهم للبلاد سرا. مع أن هناك تدهورا أوسع يصاحب التركيز المستمر على المسلمين، حيث تم التخلي عن مشروع تطوير رؤية للمحافظة تتجاوز التطهير. أي الحديث عن كيفية توفيق الحركة المعاصرة بين سياسات التقشف واقتصاد السوق الحر، وبين ركود الأجور والإنتاجية وتراجع الخدمات العامة، أو عن الانقسامات الأيديولوجية في المحافظة الحديثة وتشرذمها؟ وربما ألقى الصراخ بشأن صلاة الجماعة، باعتبارها “هيمنة عامة”، بعض الضوء على هذه الأسئلة الجوهرية.
ففي عالم مجلة “ذي سبكتاتور”، أو ما يعرف اليوم بوسائل الإعلام المبتذلة التي تحاول تبرير خطابها العنصري المستفز للجمهور تحت ستار الصحافة الراقية، لا نرى أي استنكار أو اعتراض من قبل المؤسسات السياسية، بل هناك ترحيب حار بها. وهذا ليس لأن المسلمين أصبحوا مشكلة أكبر للبلاد، بل لأن البلاد نفسها، ونخبها الفكرية المزعومة، قد صغرت نفسها. ونحن، بمقاومة الشعور بأن هذا هو الواقع وعدم التغاضي عنه، نقاوم أن نصبح مثلهم.
