في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، وبينما تتجه الأنظار إلى المفاوضات الأميركية - الإيرانية وما قد تفرزه من تفاهمات تنعكس على ساحات المنطقة، برزت زيارة الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان إلى بيروت كحدث سياسي استثنائي حمل أكثر من رسالة وأكثر من هدف.
وفي قراءة لأبعاد الزيارة وتداعياتها المحتملة على لبنان، يكشف الكاتب والمحلل السياسي نضال السبع، في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، أن الأمير يزيد بن فرحان نفّذ ما وصفه بـ"الإنزال الدبلوماسي" في بيروت، واضعاً زيارة المسؤول السعودي في سياق التحضير لمرحلة سياسية جديدة ترتبط بمسار التفاهمات الإقليمية ومصير اتفاق وقف إطلاق النار.
واعتبر السبع أن زيارة الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان إلى لبنان لم تأتِ بالصدفة، بل تزامنت مع حديث الرئيس الاميركي دونالد ترامب عن اقتراب التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، وهو اتفاق يؤكد كل من الأميركيين والإيرانيين أنه سيشمل لبنان.
وقال السبع إن " وبالتالي يبدو أن زيارة الأمير جاءت من أجل وضع الترتيبات النهائية لربط لبنان بهذا المسار، أي مسار الالتزام بوقف إطلاق النار وترتيب المرحلة المقبلة".
وأشار إلى أنه كانت هناك عقبة في لبنان وهي غياب التواصل الفعلي بين الرئاسات الثلاث، لافتاً إلى أن "الأمير يزيد بن فرحان عمل خلال زيارته على فتح خطوط التواصل بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، وهناك معلومات تفيد بأن هذا التواصل بدأ بالفعل".
وأضاف: "السعوديون معنيون بشكل مباشر بهذا التواصل بين الرئاسات الثلاث، كما أنهم معنيون بتثبيت وقف إطلاق النار في لبنان، وبتوفير الغطاء السياسي للدولة اللبنانية، خصوصاً أن لبنان بدا خلال الفترة الأخيرة متروكاً سياسياً، الأمر الذي سمح بمزيد من التغول الإسرائيلي في الجنوب اللبناني".
ورأى السبع أن هناك حرصاً سعودياً واضحاً على الاستقرار الداخلي اللبناني، وعلى الالتزام الكامل باتفاق الطائف، مشيراً إلى أن هذه العناوين شكلت جوهر الرسائل التي حملها الأمير يزيد بن فرحان خلال زيارته.
وأوضح أن اللافت في الزيارة مخصصة لهذا الأمر لذلك أنها اقتصرت على لقاءات مع الرؤساء الثلاثة دون سواهم، قائلاً: "لم نشهد لقاءات مع وزراء أو نواب أو شخصيات سياسية أخرى، بل انحصرت اللقاءات مع رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة، ما يؤكد أن الرياض دخلت على خط تسهيل مسار التسوية الشاملة التي يجري الحديث عنها، وليس على أساس فصل المسارات أو التعامل مع لبنان بمعزل عن التطورات الإقليمية".
لكن السبع لفت إلى وجود إشكاليات أساسية قد تعيق نجاحه، موضحاً أن "المشكلة الأولى تتمثل في أن الاتفاق يتحدث عن تهدئة لمدة ستين يوماً، لكنه لا ينص بشكل واضح على انسحاب القوات الإسرائيلية، وهذه نقطة قد تفتح الباب أمام التعثر منذ البداية".
وأضاف: "نحن نتحدث حالياً عن إعلان مبادئ أكثر مما نتحدث عن اتفاق نهائي، وبالتالي فإن فترة الستين يوماً ستكون مخصصة للتفاوض حول العديد من الملفات العالقة، وهذا أيضاً يفتح المجال أمام تعثر المفاوضات أو تأخير الوصول إلى نتائج حاسمة".
وشدد السبع على أن الأمور لا تزال غير مستقرة حتى الآن، إلا أن الثابت هو أن الجانب السعودي يعمل على تكريس الاستقرار في لبنان، وعلى تعزيز الحوار بين الرؤساء الثلاثة، ويؤكدالجانب السعودي حرصه على تطبيق تام لاتفاق الطائف وعدمانزلاق المور الى الصراعات الداخلية على مستوى الداخل اللبناني او على مستوى الصراعات في جنوب لبنان، كما ان النظام السعودي يعمل على توفير مظلة سياسية عربية وإقليمية ودولية تحمي لبنان.
وعن فرص نجاح الاتفاق، أبدى السبع قدراً من التشكيك، قائلاً: "احتمال عدم نجاح الاتفاق قائم وبقوة. نحن شاهدنا هذا المشهد الاحتفالي أكثر رأيناه اكثر من عشر مرات، في كل مرة يُعلن الرئيس ترامب أو غيره عن اقتراب اتفاق أو إنجاز نهائي، ثم نصل إلى انتكاسة جديدة، لذلك فإن عوامل الانفجار ما زالت كبيرة بين اليوم وموعد توقيع الاتفاق، لا سيما ان الكثير من العناوين لم يتم حلها".
وأوضح أن الخلافات الجوهرية بين الأميركيين والإيرانيين لم تُحسم بعد، مستشهداً بالتصريحات الأخيرة حول مضيق هرمز، وقال: "بالأمس كان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يتحدث عن السيادة الإيرانية على مضيق هرمز، فيما يتحدث الرئيس ترامب عن حرية الملاحة في المضيق وعودة حركة المرور فيه بشكل طبيعي فور توقيع الاتفاق، وهذا مثال واضح على أن الفجوات لا تزال قائمة بين الطرفين".
وأضاف:" بالتالي عوامل الانفجار قائمة ، موضحاً أن "الإيرانيين يتحدثون عن وقف إطلاق النار على كل الجبهات، بينما يبقى السؤال: هل ستلتزم إسرائيل بوقف إطلاق النار في جنوب لبنان وقطاع غزة؟".
وتابع: "في لبنان، ما يطمح إليه حزب الله هو العودة إلى ما قبل السابع من تشرين الأول 2023، بينما الحد الأدنى الذي يتحدث عنه الإسرائيليون هو وقف إطلاق النار لمدة ستين يوماً مع استمرار العملية التفاوضية في واشنطن، ومن الصعب الجزم بأن حزب الله سيقبل بمثل هذا الطرح ".
ورأى السبع أن الصورة لا تزال ضبابية، وأن الحكم النهائي على الاتفاق يجب أن ينتظر الإعلان الرسمي عن بنوده، قائلاً: "نحن الآن بانتظار التوقيع في جنيف للاطلاع على التفاصيل، فهناك قضايا حُسمت بالفعل، وهناك ملفات اتُفق على مواصلة التفاوض بشأنها خلال فترة الستين يوماً، فيما لا تزال بعض البنود غامضة، ولا سيما تلك المتعلقة بجنوب لبنان".
وأضاف: "السؤال الأساسي هو ما إذا كان الاتفاق سيشمل لبنان بشكل يؤدي إلى انسحاب القوات الإسرائيلية، أم أن إسرائيل ستعتبر أنها التزمت بوقف إطلاق النار مع إبقاء قواتها في بعض المناطق؟ معتبراً ان بقاء القوات الاسرائيلية يعني أنه لا عودة كاملة للسكان، ولن تنطلق عملية إعادة الإعمار، ولا إفراج عن الأسرى، ما يعني أننا سنكون أمام مسار تفاوضي طويل ومفتوح تديره واشنطن".
وختم السبع بالإشارة إلى أن زيارة الأمير يزيد بن فرحان تزامنت أيضاً مع مبادرة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان من خلال استجابته لطلب رئيس الجمهورية جوزاف عون رفع الحظر عن المنتجات اللبنانية، ولا سيما الزراعية والصناعية منها، معتبراً أن هذا التطور يعكس اهتماماً سعودياً متجدداً بلبنان.
وقال: "أعتقد أن الأمير يزيد بن فرحان نفّذ خلال زيارته إنزالاً دبلوماسياً في لبنان، هدفه تثبيت الاستقرار، وإعادة تفعيل التواصل السياسي الداخلي، وربط لبنان بمسار التسويات الإقليمية الجاري العمل عليه".
