رغم قرار مصرف لبنان تمديد العمل بالتعميمين 158 و166 لسنة إضافية إعتباراً من الأول من تموز، يعارض حاكم مصرف لبنان المركزي كريم سعيد، إدخال تعديلات جوهرية على آلية السحوبات أو رفع سقوفها في المدى المنظور، ذلك أن الأولوية اليوم لم تعد فقط إدارة أزمة ودائع اللبنانيين، بل الحفاظ على ما تبقى من السيولة بالدولار النقدي في ظل بيئة إقتصادية وأمنية تزداد هشاشة.
وفي السنوات التي تلت الإنهيار المصرفي والنقدي في العام 2019، إستفاد مصرف لبنان من تدفقات العملات الأجنبية الآتية من تحويلات المغتربين والقطاع السياحي للحفاظ على قدر من الإستقرار النقدي. إلاّ أن المشهد تغير تدريجياً مع تباطؤ التحويلات الخارجية وتراجع النشاط الإقتصادي نتيجة الحرب والتوترات الأمنية المستمرة، ما أدى إلى انخفاض حجم الدولارات الداخلة الواردة إلى السوق اللبنانية مقارنةً بالسنوات السابقة.
في هذا السياق، يؤيد الكاتب والباحث الإقتصادي جوزيف فرح، تجديد التعميمين المذكورين في تموز المقبل ومن دون زيادة قيمتهما، موضحاً أن أي رفع لسقوف السحوبات بموجب التعميمين 158 و166 سيعني عملياً زيادة الإستنزاف من السيولة الدولارية المتوافرة لدى مصرف لبنان، في وقت يحتاج فيه البلد إلى كل دولار نقدي يصل إلى بيروت، من أجل التمكن من الحفاظ على الحد الأدنى من التوازن النقدي وتمويل الحاجات الأساسية للإقتصاد.
لكن الضغط الحالي لا يقتصر على السحوبات المصرفية فحسب، بحيث يقول المحلل فرح ل"ليبانون ديبايت"، إن مصرف لبنان مطالب أيضاً بتأمين جزء من النفقات العامة والرواتب المدفوعة بالدولار أو بما يوازيه، فيما ترتفع الحاجة إلى العملات الأجنبية لتمويل الإستيراد الذي يتوقع أن يسجل مستويات مرتفعة خلال المرحلة المقبلة نتيجة ظروف الحرب وأعباء النزوح وتراجع التحويلات المالية من المغتربين في الخارج، سيّما وأنه ومع غياب أي تدفقات استثنائية أو استثمارات خارجية جديدة، تصبح إدارة الإحتياطات المتبقية أكثر حساسية من أي وقت مضى.
ويشير فرح إلى أن الظروف الأمنية الراهنة تشكل عاملاً إضافياً يدفع المصرف المركزي إلى اعتماد سياسة حذرة، ذلك أنه في أوقات عدم اليقين والإضطراب الأمني، تزداد الحاجة إلى الإحتفاظ بهوامش أمان نقدية لمواجهة أي تطورات مفاجئة قد تنعكس على سوق الصرف أو على حركة الرساميل والتحويلات.
من هنا، فإن استمرار العمل بالتعميمين 158 و166 بالشكل الحالي، يشكل خطوةً يراها فرح، أداةً لإدارة الأزمة لا لحلها، فهما يوفران مورداً مالياً شهرياً لعشرات آلاف الأسر اللبنانية، ويساهمان في الحد من التداعيات الإجتماعية للأزمة، من دون أن يشكلا معالجة فعلية لملف الودائع العالق منذ عام 2019.
أمّا رفع سقوف السحوبات، فهو مؤجل اليوم ويربط فرح أي تغيير في هذا الإطار بتوافر شروطٍ غير متاحة حالياً، مثل زيادة تدفقات العملات الأجنبية إلى البلاد، وتحسّن الإيرادات العامة، واستقرار الوضع الأمني، وإطلاق خطة مالية ومصرفية متكاملة تعيد تنظيم القطاع المصرفي وتحدد آلية واضحة لإعادة الودائع.
وعليه، وحتى ذلك الحين، يجد فرح أن السياسة التي يعتمدها حاكم مصرف لبنان، تبقى قائمة على مبدأ واحد: الحفاظ على الدولارات المتبقيّة، أكثر من السعي إلى ضخّ المزيد منها في السوق.
وفي انتظار الحل الشامل، فإن المودعين، سيكونون أمام واقع مرير عنوانه استمرار الإجراءات المؤقتة، بحسب فرح، الذي لا يُخفي بأن "فرص استعادة الودائع تدريجياً، تتراجع مع كل سنة إضافية من المراوحة السياسية والإقتصادية."
