بانون ديبايت"
على وقع المفاوضات المتواصلة في المنطقة، لا يزال الجنوب اللبناني يعيش بين هدوء هش وتصعيد قابل للاشتعال في أي لحظة. فالمسار التفاوضي الذي ترعاه الولايات المتحدة يتقدم ببطء وسط حسابات معقدة تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية والسياسية، فيما تبقى الساحة اللبنانية إحدى أكثر الساحات تأثراً بمسار المفاوضات الأميركية - الإيرانية. وفي خضم هذا المشهد، تتكاثر الطروحات المتعلقة بالمناطق الأمنية وآليات تنفيذ التفاهمات، إلا أن نجاح أي مسار يبقى رهناً بتذليل العقبات السياسية والأمنية التي لا تزال تعيق الوصول إلى استقرار مستدام.
وفي هذا الإطار، اعتبر الخبير العسكري العميد المتقاعد مارسيل بالوكجي، في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، أن "أي اتفاقات أو تفاهمات دولية تحتاج إلى مواكبة عسكرية على الأرض"، مشيراً إلى أن "الجنوب اللبناني سيبقى ساحة توتر مرتبطة بمسار المفاوضات الإقليمية والدولية".
وأوضح أن "مشروع المناطق التجريبية أو ما يُعرف بـ"Pilot Zone" لا يزال يواجه ثغرات عديدة رغم مرور نحو 22 شهراً على طرحه"، لافتاً إلى أن "إسرائيل تسعى إلى الإبقاء على وجودها داخل الأراضي اللبنانية حتى بعد انتشار الجيش اللبناني، بهدف مراقبة آلية التنفيذ والتحقق من فعاليتها".
وأشار إلى أن "إسرائيل لا تزال متمسكة بالبقاء في خمس نقاط داخل الأراضي اللبنانية، من بينها قلعة الشقيف"، مؤكداً أن "هذا الأمر يرفضه حزب الله، ما يجعل احتمالات التوتر والاشتباك قائمة خلال المرحلة المقبلة".
ورأى أن "أهمية الشقيف لا تقتصر على بعدها الجغرافي، بل تتجاوز ذلك إلى بعدها الاستراتيجي والعسكري"، معتبراً أن "إسرائيل تحاول تثبيت وقائع ميدانية جديدة وتعزيز سيطرتها في بعض المحاور، فيما يشكل أي تغيير في واقع هذه المنطقة تحولاً أساسياً بالنسبة إلى حزب الله".
وأضاف أن "المناطق التجريبية المطروحة تمثل مقاربة مجزأة لتطبيق القرار 1701، بعدما كان التطبيق الكامل للقرار مطروحاً في مراحل سابقة وحظي بموافقة حزب الله من حيث المبدأ، إلا أن التنفيذ لم يتحقق"، موضحاً أن "الطرح الحالي يقوم على تقسيم الجنوب إلى أربع أو خمس مناطق تُطبق فيها الترتيبات الأمنية على مراحل طويلة وقابلة للتعديل وفق المتغيرات الإقليمية".
وأكد بالوكجي أن "استمرار السخونة الأمنية في الجنوب يرتبط بشكل مباشر بمسار الملف الإيراني - الأميركي"، مشيراً إلى أن "غياب أي اتفاق نهائي بين واشنطن وطهران ينعكس توتراً على الساحة اللبنانية، فيما يترك أي تقدم أو تعثر في المفاوضات أثره المباشر على الواقع الميداني جنوباً".
وفي ما يتعلق بحادثة التسلل الأخيرة، رأى أنها "تحمل رسالة إلى إسرائيل مفادها أن محاولات فرض معادلات جديدة أو الاستمرار في الخروقات لن تمر من دون رد"، معتبراً أن "هذه العمليات، وإن كانت لا تبدل مسار المفاوضات بشكل جذري، فإنها تبقى جزءاً من أدوات الضغط المتبادلة بين الأطراف".
ولفت إلى أن "الولايات المتحدة حاولت خلال الفترة الماضية دفع المفاوضات قدماً عبر أكثر من مقاربة، إلا أن النتائج بقيت محدودة حتى الآن"، موضحاً أن "لبنان يعيش منذ نحو 22 شهراً مرحلة انتظار مرتبطة بمصير الترتيبات الأمنية والسياسية المطروحة".
وكشف أن "الدولة اللبنانية أعدت ورقتين أساسيتين؛ الأولى تتناول كيفية معالجة وقف إطلاق النار وآليات تنفيذه بالتنسيق مع حزب الله، فيما تتعلق الثانية بملف حصرية السلاح والمراحل المقترحة لتنفيذه، إضافة إلى الخطة التي يضعها الجيش اللبناني ضمن إطار الآلية المعتمدة وبرعاية أميركية".
وأضاف أن "نجاح أي ترتيبات أمنية يتطلب إجراءات عسكرية مترابطة ومتوازنة على كامل الجبهة الجنوبية، بعيداً عن الاستنسابية في التطبيق"، محذراً من أن "أي مقاربة انتقائية ستؤدي إلى تكرار الإخفاقات التي رافقت تطبيق القرار 1701 بعد حرب 2024".
وختم بالوكجي بالتشديد على أن "معالجة الأزمة لا يمكن أن تبدأ من الجانب الأمني وحده، بل يجب أن تنطلق أولاً من القرار السياسي"، معتبراً أن "نجاح المناطق التجريبية أو أي ترتيبات أمنية أخرى يبقى مرتبطاً بإحداث تغيير في آليات اتخاذ القرار وفي بنية المنظومة السياسية، لأن معالجة النتائج من دون معالجة الأسباب لن تؤدي إلى حلول مستدامة".
وأكد أن "الدور الأميركي يقتصر على الرعاية والإشراف على مسار التفاوض، وليس على التنسيق المباشر"، معتبراً أن "المفاوضات غالباً ما تسير بالتوازي مع ضغوط ميدانية وأمنية، في وقت تمارس فيه واشنطن ضغوطاً على الدولة اللبنانية لتنفيذ الالتزامات المطلوبة، فيما تواصل إسرائيل ضغوطها الميدانية لتحقيق أهدافها".
